ﺟﺎﺭ ﺍﻟﺘﺤﻤﻴﻞ ...
IMG 20260928 WA0000

 

 الكاتب عبد الرحمن شعبان سعد

 

إشارة مجهولة… داخل أوريال.

 

لم تتحرك ليارا.

 

بقيت واقفة أمام شاشة الطاقة، وعيناها مثبتتان على العبارة التي ظهرت فجأة أمامها، بينما كانت أصابعها لا تزال معلقة فوق لوحة التحكم.

 

لم يكن الأمر مجرد خطأ تقني.

 

هي تعرف أوريال أكثر مما يعرفها معظم سكانها.

 

تعرف كيف تتحرك شبكات الطاقة، وكيف تنتقل الموجات بين الطبقات، وكيف تعيد المدينة توزيع قوتها دون أن يشعر أحد بأي اضطراب.

 

لكن هذه الإشارة…

 

لم تكن تشبه أي شيء عرفته من قبل.

 

قالت ليارا:

 

— أوريال، حددي مصدر الإشارة.

 

ظهرت دوائر ضوئية متتابعة أمامها.

 

دارت الدائرة الأولى.

 

ثم الثانية.

 

ثم الثالثة.

 

وبعد ثوانٍ توقفت جميعها.

 

ظهر رد النظام:

 

المصدر: غير محدد.

 

قالت ليارا:

 

— أعيدي التحليل.

 

ظهر الرد:

 

تمت إعادة المحاولة.

 

ثم:

 

النتيجة: غير محددة.

 

ضاقت عينا ليارا.

 

قالت ليارا:

 

— استخدمي خريطة قلب النور.

 

تغيرت الشاشة بالكامل.

 

ظهرت أوريال من الداخل، لا كما يراها سكانها من الخارج، بل كشبكة هائلة من المسارات والطاقة والطبقات المتداخلة.

 

كانت المدينة أشبه بكائن ضخم ينبض بالضوء.

 

وفي منتصفها تقريبًا ظهر قلب النور.

 

نبضة زرقاء.

 

ثم أخرى.

 

ثم أخرى.

 

كل شيء كان طبيعيًا.

 

لكن في مكان بعيد داخل الشبكة ظهرت نقطة صغيرة جدًا.

 

نقطة لا تنتمي إلى أي مسار معروف.

 

قالت ليارا:

 

— هذه النقطة…

 

اقتربت الشاشة منها تلقائيًا.

 

اختفت طبقات.

 

ثم ظهرت طبقات أعمق.

 

ثم أعمق.

 

حتى وصلت الخريطة إلى منطقة لم تكن ليارا تعرف بوجودها.

 

قالت ليارا:

 

— ما هذه الطبقة؟

 

جاءها رد النظام:

 

الطبقة غير متاحة للعرض.

 

قالت ليارا:

 

— لماذا؟

 

لأنها غير مسجلة ضمن البنية الحالية لأوريال.

 

سكتت ليارا للحظات.

 

ثم قالت:

 

— هل تقولين إن هناك جزءًا من المدينة غير موجود في سجلات المدينة؟

 

لم يجب النظام.

 

وهذا كان أسوأ من أي إجابة.

 

في أوريال، كان الصمت الرقمي نادرًا.

 

فكل شيء تقريبًا له تفسير.

 

كل حركة محسوبة.

 

كل طاقة لها مسار.

 

كل مبنى يعرف متى يتغير.

 

كل وسيلة نقل تعرف طريقها قبل أن يبدأ الراكب رحلته.

 

حتى الضوء نفسه لم يكن يتحرك عشوائيًا.

 

أما الآن…

 

فقد وجدت ليارا شيئًا لا يملك النظام اسمًا له.

 

وبدون أن تشعر، تذكرت الجملة القديمة التي وجدتها في الملف:

 

لا تبحثي عن أصل المدينة. ابحثي عن سبب وجودها هنا.

 

رفعت رأسها ببطء.

 

قالت ليارا:

 

— لماذا هنا؟

 

ولأول مرة، لم تكن تتحدث إلى النظام.

 

كانت تتحدث إلى نفسها.

 

—

 

في مكان آخر من أوريال، كانت الحياة تسير وكأن شيئًا لم يحدث.

 

في الساحات الزرقاء، كانت الأضواء تنساب فوق الأرض مثل أنهار هادئة.

 

الأطفال يركضون خلف أجسام ضوئية صغيرة تتحرك أمامهم، وكلما اقترب طفل منها غيرت شكلها حتى لا يستطيع الإمساك بها بسهولة.

 

وفي المطاعم، كانت الطاولات تتغير وفق عدد الأشخاص الجالسين عليها.

 

أما الطعام، فلم يعد يحتاج إلى وقت طويل للتحضير.

 

كان النظام الغذائي في أوريال يقرأ احتياجات الجسد ويصنع الوجبة وفقًا لها.

 

ومع ذلك، كان هناك شيء لم تستطع التكنولوجيا القضاء عليه.

 

الرغبة في اختيار ما يحب الإنسان.

 

كان كايان يحدق في طبق أمامه، ثم قال:

 

— أنا متأكد أن هذا الطبق يعرف عني أكثر مما أعرف عن نفسي.

 

ضحكت نورا.

 

قالت نورا:

 

— لأنك كل مرة تختار الشيء نفسه.

 

قال كايان:

 

— أنا لا أكرر اختياراتي.

 

ردت نورا:

 

— أنت طلبت الوجبة نفسها تسع مرات هذا الشهر.

 

رفع كايان يده باعتراض.

 

قال كايان:

 

— لأنها ممتازة.

 

قال إيلان:

 

— أنت لا تحب الوجبة.

 

التفت كايان إليه.

 

قال كايان:

 

— ماذا؟

 

ابتسم إيلان.

 

قال إيلان:

 

— أنت تحب أنها لا تخيب ظنك.

 

ضحكت سيرا.

 

قالت سيرا:

 

— هذه أول مرة أوافق فيها إيلان على شيء.

 

قال إيلان:

 

— شكرًا.

 

قالت سيرا:

 

— لا تعتبرها عادة.

 

ضحك الأربعة.

 

وبعيدًا عنهم كان نيراف يراقب المدينة من خلال الواجهة الشفافة للمقهى.

 

كانت أوريال في ذلك الوقت تمر بمرحلة الانتقال المسائي.

 

بدأ الضوء الأزرق في الشوارع يزداد تدريجيًا، بينما خفتت الإضاءة فوق الأبراج.

 

وفوق المدينة، كانت السحب تتحرك ببطء.

 

قال نيراف:

 

— هل تعرفون أكثر شيء غريب في أوريال؟

 

نظر إليه كايان.

 

قال كايان:

 

— أنت.

 

ضحكت نورا.

 

لكن نيراف لم يضحك.

 

قال نيراف:

 

— أنا جاد.

 

قال إيلان:

 

— ماذا؟

 

ظل نيراف ينظر إلى السماء.

 

قال نيراف:

 

— أن كل شيء هنا يبدو وكأنه يعرف مكانه.

 

سكت الجميع.

 

تابع نيراف:

 

— الأبراج تعرف أين تقف.

 

— المركبات تعرف أين تذهب.

 

— الطاقة تعرف أين تتدفق.

 

— وحتى السحب…

 

توقف.

 

قال كايان:

 

— حتى السحب ماذا؟

 

ابتسم نيراف ابتسامة صغيرة.

 

قال نيراف:

 

— لا شيء.

 

لم يقتنع إيلان.

 

لكنه لم يسأل.

 

—

 

في تلك اللحظة، كانت سيرا قد تلقت رسالة على معصمها.

 

ظهرت نافذة صغيرة أمامها.

 

إشعار من مركز الأرشيف.

 

فتحتها.

 

قرأتها.

 

ثم تغير وجهها.

 

لاحظت نورا ذلك.

 

قالت نورا:

 

— ماذا حدث؟

 

أغلقت سيرا الشاشة بسرعة.

 

قالت سيرا:

 

— لا شيء.

 

قال كايان:

 

— هذا الوجه لا يعني “لا شيء”.

 

قالت سيرا:

 

— مجرد تحديث للأرشيف.

 

قال إيلان:

 

— تحديث في هذا الوقت؟

 

نظرت إليه سيرا.

 

قالت سيرا:

 

— نعم.

 

قال إيلان:

 

— وماذا حدث؟

 

صمتت سيرا للحظة.

 

ثم قالت:

 

— تم إغلاق قسم قديم من الأرشيف.

 

قال كايان:

 

— ولماذا؟

 

قالت سيرا:

 

— لم يقولوا.

 

نظر نيراف إلى سيرا.

 

قال نيراف:

 

— هل كان القسم مرتبطًا بالطاقة؟

 

لم تجبه سيرا فورًا.

 

وهنا فهم إيلان أن الأمر ليس مجرد تحديث عادي.

 

قال إيلان:

 

— سيرا…

 

رفعت عينيها إليه.

 

قال إيلان:

 

— ماذا تعرفين؟

 

تنفست سيرا ببطء.

 

قالت سيرا:

 

— أعرف أن بعض الملفات القديمة لا ينبغي لأحد أن يفتحها.

 

قال كايان:

 

— لماذا؟

 

قالت سيرا:

 

— لأن بعضها لا يحمل تاريخًا.

 

قالت نورا:

 

— وكيف يمكن لملف أن يكون بلا تاريخ؟

 

قالت سيرا:

 

— هذا بالضبط ما يجعلني لا أحبها.

 

ثم أضافت:

 

— لكن لا أحد يهتم بهذه الأشياء.

 

قال نيراف:

 

— ربما لأن الجميع يثق في أن أوريال لا تخطئ.

 

نظرت إليه سيرا طويلًا.

 

ثم قالت:

 

— وأنت؟

 

قال نيراف:

 

— ماذا؟

 

قالت سيرا:

 

— هل تثق بها؟

 

لم يجب نيراف.

 

اكتفى بالنظر إلى المدينة.

 

—

 

في مركز الطاقة، كانت ليارا لا تزال أمام الخريطة.

 

حاولت الدخول إلى الطبقة المجهولة.

 

رفض النظام.

 

حاولت مرة ثانية.

 

رفض.

 

ثالثة.

 

رفض.

 

قالت ليارا:

 

— افتحي الطبقة.

 

الوصول مرفوض.

 

قالت ليارا:

 

— أنا مهندسة الطاقة المسؤولة عن هذا القطاع.

 

صلاحياتك لا تسمح.

 

قالت ليارا:

 

— إذن أعطني اسم الشخص الذي يملك الصلاحية.

 

ساد الصمت.

 

انتظرت ليارا.

 

ثانية.

 

ثانيتين.

 

خمس ثوانٍ.

 

ثم ظهر نص جديد:

 

لا يوجد شخص.

 

تراجعت ليارا خطوة.

 

قالت ليارا:

 

— ماذا؟

 

ظهر الرد:

 

الطبقة لا تخضع لأي مستخدم.

 

قالت ليارا:

 

— إذن لمن تخضع؟

 

توقفت الشاشة.

 

ثم انطفأت.

 

حل الظلام في غرفة التحكم.

 

قالت ليارا:

 

— أوريال؟

 

لم يجبها النظام.

 

رفعت ليارا يدها.

 

لكن قبل أن تلمس لوحة التحكم…

 

اشتعل ضوء أزرق صغير خلفها.

 

استدارت.

 

لم يكن هناك أحد.

 

لكن الضوء كان موجودًا.

 

ثم ظهر ضوء آخر.

 

ثم ثالث.

 

بدأت الأضواء تتصل ببعضها.

 

خط.

 

ثم دائرة.

 

ثم شكل لم تره ليارا من قبل.

 

اقتربت منه بحذر.

 

قالت ليارا:

 

— ما هذا؟

 

ظهر صوت النظام لأول مرة بنبرة مختلفة.

 

نبرة لم تسمعها ليارا في حياتها.

 

قال النظام:

 

— لا تقتربي.

 

تجمدت ليارا.

 

قالت ليارا:

 

— لماذا؟

 

لم يجب النظام.

 

ثم ظهرت جملة واحدة في منتصف الغرفة:

 

لأنها بدأت تستجيب.

 

وفي اللحظة نفسها…

 

اهتز قلب النور.

 

نبضة واحدة.

 

لكنها لم تكن زرقاء.

 

كانت بلون لم تره ليارا داخل أوريال من قبل.

 

لون خاطف…

 

ظهر لجزء من الثانية فقط.

 

ثم اختفى.

 

وفي كل أنحاء المدينة، دون أن يعرف أي شخص السبب، توقفت جميع الساعات الرقمية في أوريال في اللحظة نفسها.

 

00:00

 

لمدة ثانية واحدة.

 

ثم عادت للعمل.

 

وكأن شيئًا لم يحدث.

 

إلا أن شاشة صغيرة في مركز الطاقة بقيت مضاءة.

 

وعليها ظهرت عبارة واحدة:

 

تم إيقاظ النظام القديم.

 

رفعت ليارا عينيها.

 

ولم تعرف أيهما كان أكثر رعبًا…

 

أن يكون هناك نظام قديم داخل أوريال…

 

أم أن يكون هذا النظام قد استيقظ الآن.

 

وفي مكان ما من المدينة…

 

كان شخص آخر قد رأى الرسالة نفسها.

 

لكن ذلك الشخص لم يكن مهندسًا.

 

ولم يكن يعمل في مركز الطاقة.

 

كان يجلس وحيدًا داخل منزله، ينظر إلى شاشة لا يفترض أن تعمل أصلًا.

 

ثم ظهرت أمامه جملة واحدة:

 

هل ما زلت تتذكر؟

 

رفع رأسه ببطء.

 

وقال بصوت خافت:

 

— لا…

 

ثم ظهرت جملة ثانية:

 

إذن لماذا تذكرت؟

 

وتوقفت الشاشة.

 

أما أوريال…

 

فواصلت حياتها كالمعتاد.

 

دون أن يعرف سكانها أن شيئًا ما قد بدأ يتحرك تحت النظام الذي وثقوا به طوال حياتهم.

 

انتظر الجزء القادم

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *