الكاتبة: عاليا عجيزة
لم تكن الخطوات الأولى خارج أسوار القصر الملكي مجرد عبورٍ لمكانين، بل كانت اختراقًا لزمنٍ آخر لم تكن تعرف عنه شيئًا. كانت أشعة الشمس الذهبية تتسلل بين أغصان الأشجار العتيقة في الغابة المحيطة، لترسم على وجهها وأنسجة ردائها الأبيض ظلالًا دافئة لم تذق حرارتها منذ قرون. تحركت بين الأشجار بتؤدة، وكلما ابتعدت عن أطلال الكاتدرائية، كان صوت أنين الدهاليز يتلاشى تدريجيًّا، ليحل محله حفيف الأوراق وتغريد طيور الصباح التي تستقبل فجرًا جديدًا.
توقفت عند ضفة نبع ماء ينبع من بين الصخور البركانية، وجثت على ركبتيها لتنظر إلى انعكاسها على سطح الماء. لم تكن هناك هالة زرقاء، ولا ملامح شبحية تتلاشى مع الضوء؛ بل رأت وجه امرأة تنبض بالحياة، بعينين تحملان عمق التاريخ والأسى، ولكن يلمع فيهما بريق أمل جديد.
بللت كفيها بالماء البارد ورشّحته على وجهها، فشعرت ببرودته المنعشة تخترق مسامها، مؤكدة لها أن اللعنة قد انكسرت، وأنها لم تعد سجينة الأسرار والذكريات المنسية.
لكن الطريق أمامها لم يكن خاليًا من الغموض؛ فبينما كانت تسير في الممر الحرجي، لاحظت وجود علامات حجرية قديمة نُقشت عليها رموز السلالة المالكة نفسها، تمتد على طول الطريق المؤدي إلى القرية المتاخمة للغابة.
كان يبدو أن القصر لم يكن المعقل الوحيد لتلك الأسرار، بل إن آثار الخيانة القديمة قد امتدت أذرعها لتطال السلالات التي عاشت خارج الأسوار. رفعت رأسها نحو أفق القرية التي بدأت تظهر منازلها الحجرية ودخان مداخنها يتصاعد في السماء، وشعرت بأن قدرها لم ينتهِ عند غلق كتاب الكاتدرائية.
وقفت عند مشارف القرية، تسحب أنفاسًا عميقة من الهواء المحمل برائحة الحطب والخبز الطازج. كانت تتساءل عما إذا كان أهل هذه القرية يعلمون بالحقيقة التي جرى التكتم عليها لقرون، أم أنهم يعيشون على الروايات المزيفة التي صاغها القتلة والمستبدون.
التفتت للمرة الأخيرة نحو أطلال القصر المهجور الذي بدا من بعيد كأنه حارس صامت يودعها، ثم حزمت أمرها، وخطت خطوتها الأولى بين بيوت القرية، مستعدة لمواجهة عالم جديد لا تعرف فيه أحدًا، ولا يعرف فيه أحد هويتها الحقيقية.
الورقة الثامنة (8)
مع دخولها أزقة القرية الضيقة، كانت العيون تلاحقها بفضول واستغراب؛ فرداؤها الأبيض العتيق وملامحها الملكية كانا يشيان بأنها لا تنتمي إلى هذا الزمان ولا إلى هذا المكان. لم تتحدث إلى أحد، بل واصلت سيرها نحو الساحة المركزية حيث ينتصب برج الساعة القديم، والذي كان يدق دقاته المنتظمة مشيرًا إلى انتصاف النهار.
وفي منتصف الساحة، لفت انتباهها تمثال برونزي ضخم أُقيم لواحد من الملوك الذين أُديرت باسمهم الخيانة الكبرى في القصر.
اقتربت من قاعدة التمثال، وقرأت اللوحة النحاسية المعلقة عليه، والتي تصوره كبطل ومحرر للمملكة.
ابتسمت ابتسامة ساخرة تجمع بين الحزن واليقين، فقد كانت تتذكر جيدًا الحقيقة التي كشفتها الوثيقة الملكية في الدهاليز السفلية؛ كذب التاريخ، وسُرقت دماء الأبرياء لتُصنع منها أمجاد زائفة. وبينما كانت واقفة تتأمل التمثال، اقترب منها رجل عجوز يعتمد على عصا خشبية، ونظر إلى وجهها بإمعان طويل، وكأنه يتعرف على ملامح رأى مثلها في لوحات قديمة طُمرت تحت التراب.
همس العجوز بصوت خافت يرشح بالذهول:
«إن هذه الملامح لا تخطئها العين… هل عادت الأسطورة لتسترد حقها؟»
لم تجبه بكلمة، بل اكتفت بالنظرة الغامضة ذاتها التي كانت تودع بها ظلال الكاتدرائية كل ليلة بدر. فتحت كفها لتنظر إلى الخاتم الملكي الذي وجدته محفورًا في طيات الوثيقة، والذي أخذته معها؛ كان الخاتم يتوهج ببريق أزرق خافت جدًا تحت أشعة الشمس، وكأنه ينبض بالتزامن مع نبضات قلبها.
كانت أمام خيار أخير يحدد مجرى حياتها الجديدة: إما أن تكشف عن هويتها وسر الخاتم لتطالب بالعرش وتصحح التاريخ المزور أمام الجميع، أو أن تتجاهل الماضي بالكامل وتعيش حياة بسيطة وهادئة كإنسانة عادية اختارت الحرية على السلطة.
نظرت إلى العجوز، ثم إلى بريق الخاتم في يدها، وأخيرًا نحو الأفق البعيد حيث تمتد الممالك والمدن التي لا تعرف شيئًا عن قصتها.
خطت خطوة أخيرة نحو المجهول، تاركة علامة استفهام أبدية حول ما إذا كانت ستعيد كتابة التاريخ بيديها، أم ستدع الماضي يندثر لتبدأ هي حكايتها الخاصة.
![]()
