الكاتبه رفيدة فتحي
كانت الساعة العاشرة صباحًا داخل قرية المنشاوي، يسير رجالها على عَجَلٍ لفتح متاجرهم، ويعمل كلٌّ منهم بجدٍّ ونشاط لإعمار قريتهم؛ فهي موطنهم، وموطن ذكريات أجدادهم منذ آلاف السنين.
خارج بيتٍ قديم، جدرانه تكاد تبكي ألمًا، ويختفي لون ستائره خلف طبقات التراب، جثت السيدة سعدية على ركبتيها تجمع البيض من الدجاج، بيدٍ مرتعشة وجسدٍ أنهكه الضعف.
ورغم اشتهاء أحفادها له، فإنه كان مصدر رزقهم الوحيد؛ فتناول القليل منه يعني حرمان الأسرة من شراء ما هو ضروري لبقائها.
همّت بالوقوف وهي تتألم، وأطلقت أنينًا خافتًا، ثم التفتت إلى حفيدها وقالت بصوتٍ ضعيف:
ـ اذهب واعرضه على رجال القرية.
سار الصبي بحذر، لكي لا يسقط البيض من بين يديه، بينما راحت عيناه تتنقلان في المكان بحثًا عمّن يشتريه.
وبعد دقائق، وقعت عيناه على رجلٍ يرتدي بدلةً سوداء أنيقة، وحذاءً لا يعرف التراب، يقف أمام دكان الأقمشة.
أدرك حينها أنه قادم من مدينة الأثرياء التي لم يرها يومًا.
لمعت عيناه فرحًا، وأسرع نحوه. وعندما اقترب منه، حيّاه ثم قال:
ـ لديّ بيضٌ لذيذ، إذا أردت يا عم.
رفع الرجل نظارته السوداء الأنيقة، وتفحّص البيض واحدةً تلو الأخرى بدقة، حتى خُيّل للصبي أنه سيشتريه كله بمبلغٍ كبير من المال.
لكن الرجل ما لبث أن رفع عينيه إليه، وحدّق فيه بأجفانٍ جامدة، ثم قال ببرود:
#رفيدة_فتحي
يتبع…
![]()
