الكاتب عبد الرحمن شعبان سعد
والآن فقط… سيبدأ السجن في الانهيار.
لم يكن الانهيار يشبه ما عرفته أوريال طوال تاريخها.
لم تسقط المباني.
لم تتصدع الطرق.
لم تنفجر محطات الطاقة.
بل حدث شيء أكثر رعبًا.
اختفت القواعد.
في اللحظة التي نطق فيها آرين بتلك الكلمات، انطفأت آلاف الطبقات الضوئية التي كانت تحيط بأوريال، ثم عادت في صورة مختلفة تمامًا.
لم تعد المدينة مضيئة باللون البنفسجي.
ولم تعد أنظمتها تعرف نفسها.
في السماء ظهرت خطوط ضخمة من الضوء، تتقاطع فوق المدينة كما لو أن شيئًا هائلًا كان يرسم شبكة جديدة حولها.
ثم بدأت المباني تتحرك.
لكنها هذه المرة لم تتحرك وفق أوامر النظام.
كل مبنى بدأ يعود إلى شكل لم يره أحد من سكان أوريال من قبل.
الأبراج التي كانت تمتد إلى السماء انخفضت.
الممرات التي كانت معلقة في الفراغ اختفت.
والطرق الضوئية بدأت تتوقف واحدة تلو الأخرى.
في قلب المدينة، ارتفع صوت النظام المركزي.
قال النظام:
“تحذير.”
توقفت المدينة كلها.
ثم قال النظام:
“فقدان السيطرة على البنية الأساسية.”
صمت لثوانٍ.
ثم أضاف:
“إعادة تعريف المدينة.”
رفع إيلان رأسه.
كان يقف داخل الفراغ الأبيض، بينما كانت صورة أوريال تظهر أمامه كأنها معلقة على سطح غير مرئي.
قال إيلان:
“ماذا يعني إعادة تعريف المدينة؟”
لم يُجب النظام.
ظهر بدلًا من ذلك سطر واحد:
“أوريال لم تعد أوريال.”
حدق إيلان في الكلمات.
قال إيلان:
“من الذي يغيّرها؟”
جاء صوت آخر.
لم يكن صوت النظام.
كان صوت ليارا.
قالت ليارا:
“ليست هي التي تغيّر نفسها.”
التفت إيلان.
كانت ليارا تقف أمامه، لكن جسدها لم يكن حقيقيًا.
كانت مجرد صورة ضوئية غير مستقرة، تتداخل حولها خطوط بيضاء وبنفسجية.
قال إيلان:
“ليارا… ظننت أن النظام حذفك.”
ابتسمت ليارا ابتسامة قصيرة.
قالت ليارا:
“حذف اسمي.”
اقتربت خطوة.
قالت ليارا:
“لكنه لم يستطع حذف ما صنعته.”
قال إيلان:
“ماذا صنعتِ؟”
نظرت ليارا خلفه.
كانت المرأة ما تزال واقفة في مكانها.
صامتة.
تراقب.
قالت ليارا:
“السجن.”
تغير وجه إيلان.
قال إيلان:
“أنتِ صنعتِ أوريال؟”
هزت ليارا رأسها.
قالت ليارا:
“لا.”
ثم نظرت إلى المرأة.
قالت ليارا:
“لكنني ساعدت في بنائه.”
رفع إيلان عينيه نحو المرأة.
قال إيلان:
“أنتِ قلتِ إن أوريال ونيرافا صُنعتا لحماية الناس.”
أجابت المرأة:
“وهذا صحيح.”
قال إيلان:
“لكن آرين قال إنهما سجن.”
سكتت المرأة.
للمرة الأولى منذ ظهورها، لم تجد جوابًا سريعًا.
لاحظ إيلان ذلك.
قال إيلان:
“إذن هو لم يكذب.”
قالت المرأة:
“آرين لا يكذب.”
توقف إيلان.
قال إيلان:
“ولكنك طلبتِ مني ألا أثق به.”
قالت المرأة:
“لأن آرين يعرف نصف الحقيقة فقط.”
جاء صوت آرين من خلف البوابة.
قال آرين:
“وأنتِ تعرفين النصف الذي تريدين أن تعرفيه.”
نظرت المرأة إلى الباب.
قالت المرأة:
“ما زلت تتدخل.”
قال آرين:
“لأنك ما زلت تخفين الحقيقة.”
ثم ظهر آرين خلف الباب.
وبجواره كان يقف الطفل الآخر.
الطفل الذي يحمل ذاكرة المحاولات كلها.
كان الاثنان متشابهين إلى درجة مخيفة.
الوجه نفسه.
العينان نفسيهما.
لكن شيئًا واحدًا كان مختلفًا.
آرين كان ينظر إلى إيلان كما لو أنه يبحث عن أبيه.
أما الطفل الآخر…
فكان ينظر إليه كما لو أنه يعرفه منذ آلاف السنين.
قال إيلان:
“ما اسمك؟”
ظل الطفل صامتًا.
ثم أجاب:
“أنت أعطيتني اسمًا.”
اقترب إيلان.
قال إيلان:
“لا أتذكر.”
قال الطفل:
“لهذا أنا هنا.”
سأله إيلان:
“لتذكر بدلًا مني؟”
أجاب الطفل:
“لا.”
ثم وضع يده على صدره.
قال الطفل:
“لأذكّرك بما حاولوا أن يجعلوك تنساه.”
في اللحظة نفسها، اهتز الفراغ الأبيض.
ظهرت خلف الطفل مئات الصور.
مدن.
أبواب.
غرف.
أطفال.
أشخاص يشبهون إيلان.
نسخ كثيرة منه.
كل نسخة تعيش بداية مختلفة.
كل نسخة تصل إلى نهاية مختلفة.
ثم ظهرت صورة واحدة.
رجل يشبه إيلان يقف أمام مدينة بيضاء.
وبجانبه إيرا.
وفي يد إيرا طفل صغير.
تجمد إيلان.
قال إيلان:
“هذه ليست آرين.”
قال الطفل:
“لا.”
قال إيلان:
“من هذا؟”
لم يُجب الطفل.
تقدمت المرأة.
قالت المرأة:
“هذا هو السبب الذي جعلنا نبني أوريال ونيرافا.”
قال إيلان:
“ما زلت لا أفهم.”
قالت المرأة:
“لأن العالم الذي كان قبل المدينتين لم يكن مستقرًا.”
رفع إيلان رأسه.
قال إيلان:
“أي عالم؟”
أجابت المرأة:
“العالم الذي لا تريد أن تتذكره.”
وفجأة…
انقطع كل شيء.
اختفت الصور.
اختفى الفراغ.
واختفت المرأة.
ثم عاد صوت النظام.
لكن صوته هذه المرة كان ضعيفًا.
قال النظام:
“خطأ.”
ثم:
“خطأ في الذاكرة.”
ثم:
“خطأ في الهوية.”
ثم بدأ يكرر الجملة نفسها.
“خطأ.”
“خطأ.”
“خطأ.”
“خطأ.”
حتى تحولت الكلمات إلى ضوضاء.
وفي أوريال…
حدث شيء لم يحدث منذ تأسيس المدينة.
استيقظ الناس وهم يتذكرون.
امرأة كانت تسير في أحد الممرات توقفت فجأة.
وضعت يدها على رأسها.
قالت المرأة:
“أنا… كنت هنا من قبل.”
رجل آخر سقط على الأرض.
قال الرجل:
“كان هناك مكان آخر.”
طفل صغير نظر إلى والدته.
قال الطفل:
“لماذا لا أتذكر اسم المدينة التي كنا فيها؟”
لم تعرف الأم ماذا تقول.
وفي أحد الأبراج، فتح رجل باب منزله.
فتجمد أمامه.
لم يكن منزله.
كان مكانًا آخر.
مكانًا أبيض.
وفيه ستة أشخاص.
وفي المنتصف طفلان.
ثم أغلق الباب بسرعة.
لكن الصورة لم تختفِ.
لأنها لم تكن خلف الباب.
كانت داخل ذاكرته.
وفي نيرافا…
حدث الشيء نفسه.
المدينة الحمراء بدأت تفقد شكلها.
الأبراج تحولت.
الطرق انقسمت.
والشاشات التي كانت تحمل أوامر الحرب بدأت تعرض شيئًا واحدًا:
“استعادة الذاكرة.”
ثم:
“استعادة الأصل.”
ثم:
“إلغاء الفصل.”
وصلت الرسالة إلى كل فرد في المدينتين.
وفي اللحظة نفسها، توقفت الأسلحة.
توقفت السفن.
توقفت أنظمة الدفاع.
حتى الجنود الذين كانوا يستعدون للقتال لم يعودوا يعرفون لماذا كانوا يحملون أسلحتهم.
ثم ظهر صوت إيرا في جميع أنحاء نيرافا.
قالت إيرا:
“توقفوا.”
لم يكن صوتها أمرًا عسكريًا.
كان صوت امرأة تحاول إيقاظ مدينة كاملة.
قالت إيرا:
“الحرب لم تبدأ لأن أوريال هاجمت نيرافا.”
سكتت لحظة.
ثم قالت:
“الحرب بدأت لأنهم كانوا يخافون من أن نتذكر.”
في أوريال، وصلت كلماتها.
سمعها الجميع.
وكان إيلان يسمعها أيضًا.
نظر إلى آرين.
قال إيلان:
“هل كانت تعرف كل شيء؟”
أجاب آرين:
“إيرا تعرف أكثر مما تتذكر.”
قال إيلان:
“وأنت؟”
نظر آرين إلى الطفل الآخر.
ثم قال:
“أنا أعرف ما حدث.”
ثم أشار إلى الطفل الآخر.
وقال:
“وهو يعرف لماذا حدث.”
تقدم الطفل الآخر خطوة.
وفجأة ظهر على جبينه الرمز نفسه الموجود على صدر إيلان.
رمز الصفر.
ثم ظهر الرمز على صدر آرين.
ثم ظهر على يد إيرا.
ثم ظهر في السماء.
ثلاثة رموز.
ثلاثة أشخاص.
ورمز واحد.
رفع إيلان يده.
ظهر الرمز أمامه.
قال إيلان:
“ماذا يحدث؟”
أجاب الطفل الآخر:
“نحن نقترب من البداية.”
قال إيلان:
“أي بداية؟”
رفع الطفل الآخر عينيه إليه.
وقال:
“بداية المحاولة الأولى.”
توقفت أنفاس إيلان.
قال إيلان:
“لكن المرأة قالت إنني المحاولة رقم مئة وتسعة عشر.”
أجاب الطفل:
“هي قالت لك ما يناسب القصة التي تريدك أن تصدقها.”
ثم ظهرت خلفه صورة ضخمة.
لم تكن صورة أوريال.
ولا نيرافا.
ولا حتى مدينة بيضاء.
كانت صورة لمكان لا توجد فيه مدينة أصلًا.
أرض واسعة تحت سماء سوداء.
وفي منتصفها منشأة هائلة تمتد تحت سطح الأرض.
فوقها كان مكتوبًا:
“ZERO”
ثم ظهر سطر آخر:
“عدد المحاولات: 0”
تراجع إيلان خطوة.
قال إيلان:
“المحاولة صفر…”
قال الطفل:
“ليست محاولة.”
سأله إيلان:
“إذن ماذا تكون؟”
أجاب الطفل:
“هي الأصل.”
في تلك اللحظة، عاد الرجل السادس.
ظهر من خلف الضوء.
كان وجهه متعبًا.
ولم يكن يحمل أي سلاح.
نظر إلى إيلان.
ثم إلى آرين.
ثم إلى الطفل الآخر.
وقال:
“لقد وصلتم إلى النقطة التي كنت أخشاها.”
قال إيلان:
“ما هي؟”
رفع الرجل السادس عينيه إلى السماء.
قال الرجل السادس:
“حين يجتمع الجسد…”
ثم نظر إلى الطفل الآخر.
قال الرجل السادس:
“والذاكرة…”
ثم نظر إلى آرين.
قال الرجل السادس:
“والحلقة التي تربطهما…”
وسكت.
قال إيلان:
“ماذا يحدث؟”
أجاب الرجل السادس:
“يستيقظ الأصل.”
فجأة…
اهتزت أوريال.
واهتزت نيرافا.
ثم بدأت المدينتان تتحركان.
ليس في اتجاه بعضهما.
بل إلى الأسفل.
لأول مرة في تاريخ المدينتين، بدأت أوريال تهبط.
وبدأت نيرافا تهبط معها.
ارتفعت أصوات الإنذار.
قال النظام:
“تحذير.”
ثم:
“فقدان الارتفاع.”
ثم:
“إلغاء بروتوكول التحليق.”
ثم ظهرت جملة لم يفهمها أحد:
“المدينتان لم تكونا معلقتين في السماء.”
توقفت الجملة.
ثم ظهرت جملة أخرى:
“بل كانتا معلقتين فوق شيء.”
نظر إيلان إلى الرجل السادس.
قال إيلان:
“فوق ماذا؟”
لم يجب الرجل.
لأن الأرض التي كانت تحت السحب…
بدأت تظهر.
ولم تكن أرضًا.
كانت بوابة.
بوابة هائلة تمتد تحت المدينتين.
وفي منتصفها…
كان هناك الرمز نفسه.
الصفر.
ثم انفتح الرمز ببطء.
ومن داخله خرج ضوء أسود.
وفي وسط الضوء…
ظهر صوت لم يكن صوت إنسان.
قال:
“أخيرًا.”
ثم:
“عاد الجسد.”
ثم:
“عادت الذاكرة.”
ثم:
“وعادت الحلقة.”
وسكت الصوت لحظة.
ثم قال:
“لكنكم نسيتم شيئًا واحدًا.”
رفع إيلان رأسه.
قال إيلان:
“ماذا نسينا؟”
جاءت الإجابة من أسفل المدينتين:
“من كان يعيش قبلكم.”
وفي اللحظة نفسها…
انفتحت البوابة بالكامل.
ومن داخلها ظهرت مئات الوجوه.
وجوه رجال.
وجوه نساء.
وجوه أطفال.
وجوه تشبه إيلان.
وجوه تشبه آرين.
وجوه تشبه الطفل الآخر.
لكن في مقدمة كل تلك الوجوه…
كان هناك وجه واحد فقط.
وجه إيرا.
ثم ظهر وجه آخر.
وجه إيلان.
ثم اقترب الوجهان من بعضهما.
وتداخل الضوء.
وعاد الصوت:
“المحاولة صفر…”
ثم:
“استيقظت.”
وتوقفت كل أنظمة أوريال ونيرافا في اللحظة نفسها.
لم يعد هناك نظام.
لم يعد هناك قانون.
لم تعد هناك مدينة.
ولم تعد هناك حرب.
لأن شيئًا أقدم من المدينتين…
كان قد فتح عينيه.
انتظر الجزء القادم
![]()
