الكاتب عبدالرحمن شعبان سعد
“المحاولة 0 — الأصل”
ظهرت الكلمات في أعلى السماء.
لم تكن مكتوبة على شاشة.
ولم تكن إسقاطًا ضوئيًا.
كانت محفورة في السماء نفسها.
كأن شيئًا هائلًا كتبها قبل أن تعرف أوريال ونيرافا معنى الكتابة.
رفع سكان المدينتين رؤوسهم.
وللمرة الأولى منذ وجودهم، رأوا بابًا فوقهم لا يستطيع أي نظام تفسيره.
كان الباب أسود بالكامل.
بلا إطار.
بلا مفصلات.
وبلا مقبض.
ومع ذلك…
كان مفتوحًا قليلًا.
خرج من داخله ضوء أبيض.
لكن الضوء لم ينزل إلى المدينتين.
بل كان يرتفع من المدينتين نحوه.
قال كايان:
“إيلان، هل ترى هذا؟”
أجاب إيلان:
“أراه.”
قال كايان:
“المدينة تتحرك نحوه.”
تدخلت سيرا:
“ليس أوريال فقط.”
ثم قالت:
“نيرافا تتحرك أيضًا.”
نظر إيلان إلى إيرا.
كانت واقفة على الجهة الأخرى من الجسر.
قال إيلان:
“إيرا.”
رفعت إيرا عينيها إليه.
قالت إيرا:
“أعرف.”
قال إيلان:
“ماذا يحدث؟”
أجابت:
“المدينتان تعودان إلى موضعهما.”
قال إيلان:
“أين؟”
قالت إيرا:
“فوق الباب.”
تدخل الرجل السادس.
قال الرجل السادس:
“ليس فوقه.”
ثم نظر إلى السماء.
وقال:
“داخله.”
سكت إيلان.
قال آرين:
“إذا دخلتا…”
لم يكمل.
قال إيلان:
“ماذا سيحدث؟”
أجاب آرين:
“ستنتهي المدينتان.”
قال إيلان:
“وتبدأ ماذا؟”
نظر آرين إلى الباب.
وقال:
“لا أعرف.”
رفع الطفل الآخر رأسه.
قال الطفل الآخر:
“أنا أعرف.”
التفت إليه إيلان.
قال إيلان:
“قل.”
قال الطفل:
“لن تبدأ مدينة.”
ثم:
“سيعود المكان الذي كان قبل المدن.”
قال إيلان:
“وما هو؟”
أجاب الطفل:
“المكان الذي خرجنا منه.”
تغير وجه إيلان.
قال إيلان:
“هل تقصد المنشأة؟”
هز الطفل رأسه.
قال الطفل:
“لا.”
ثم:
“أقصد العالم.”
ساد الصمت.
حتى الكيان لم يتحدث.
نظر إيلان إليه.
قال إيلان:
“أنت تعرف ما يقصده.”
أجاب الكيان:
“أعرف.”
قال إيلان:
“إذن قل.”
قال الكيان:
“ليس بعد.”
اقترب إيلان منه.
قال إيلان:
“لن أسمح لك باستخدامي.”
ابتسم الكيان.
وقال:
“أنت ما زلت تعتقد أنك تستطيع منعي.”
قال إيلان:
“أستطيع.”
قال الكيان:
“كيف؟”
رفع إيلان يده.
ظهر رمز الصفر.
قال إيلان:
“بالاختيار.”
اختفت ابتسامة الكيان.
لأول مرة…
بدا عليه الغضب.
قال الكيان:
“لا تستخدم هذه الكلمة.”
قال إيلان:
“لماذا؟”
قال الكيان:
“لأنها كانت سبب كل شيء.”
قال إيلان:
“إذن هي ستكون نهايته.”
في اللحظة نفسها…
انفجر رمز الصفر.
خرجت منه موجة هائلة من الطاقة.
اهتز الجسر.
توقفت حركة أوريال.
وتوقفت نيرافا.
ثم انقطع الاتصال بين المدينتين.
لكن شيئًا آخر حدث.
كل سكان أوريال ونيرافا…
سمعوا صوتًا واحدًا.
صوت إيلان.
قال الصوت:
“تذكروا.”
لم تكن كلمة عادية.
كانت أمرًا.
وفي لحظة واحدة…
استعاد الجميع شيئًا مختلفًا.
رجل تذكر عائلته.
امرأة تذكرت اسمًا لم تستخدمه منذ قرون.
طفل تذكر غرفة بيضاء.
جندي تذكر أنه لم يكن جنديًا أصلًا.
عالم تذكر أنه كان واحدًا من صانعي المشروع.
لكن الذكريات لم تتوقف.
بدأت الذكريات تنتقل بين الناس.
شخص يتذكر حياة شخص آخر.
امرأة ترى موت رجل لم تقابله.
رجل يتذكر حبًا لم يكن حبه.
طفلة تتذكر مدينة لم تعش فيها.
وبدأت الحدود بين الذاكرة والحقيقة تختفي.
صرخ كايان:
“إيلان، أوقف هذا.”
قال إيلان:
“لا أستطيع.”
قال كايان:
“الناس يفقدون هوياتهم.”
أجاب إيلان:
“بل يستعيدونها.”
قال كايان:
“بعضهم يتذكر حياة ليست حياته.”
قال إيلان:
“لأننا لم نكن أشخاصًا منفصلين كما ظننا.”
ساد الصمت.
قالت سيرا:
“ماذا تقصد؟”
أجاب إيلان:
“كلنا كنا جزءًا من شيء واحد.”
فجأة…
وصل صوت ليارا.
كان ضعيفًا.
ومتقطعًا.
قالت ليارا:
“إيلان.”
قال إيلان:
“ليارا.”
قالت ليارا:
“لا تجعل الذكريات تعود دفعة واحدة.”
قال إيلان:
“لماذا؟”
أجابت ليارا:
“لأن الذاكرة ليست مجرد معلومات.”
توقفت.
ثم قالت:
“الذاكرة شخصية.”
قال إيلان:
“وماذا يحدث عندما تختلط؟”
قالت ليارا:
“يحدث الشيء الذي حاولوا منعه.”
سأل إيلان:
“ما هو؟”
قالت ليارا:
“شخص واحد يتذكر حياة الجميع.”
انخفض صوتها.
ثم قالت:
“وهذا الشخص…”
توقفت.
قال إيلان:
“من؟”
جاءت الإجابة من الطفل الآخر.
قال الطفل:
“إيلان.”
سكت الجميع.
قال إيلان:
“أنا؟”
قال الطفل:
“لأنك الجسد الوحيد الذي صُمم ليستقبلها.”
قال آرين:
“وهذا ما سيقتلك.”
نظر إيلان إليه.
قال إيلان:
“لن أسمح بذلك.”
أجاب آرين:
“لم تكن تسمح به في المرات السابقة أيضًا.”
تجمد إيلان.
قال آرين:
“لكنهم جعلوك تفعل.”
قال إيلان:
“من؟”
نظر آرين إلى المرأة.
كانت واقفة بعيدًا.
قال آرين:
“هي.”
نظر الجميع إليها.
قالت المرأة:
“كان يجب أن يحدث.”
قال إيلان:
“ماذا فعلتِ؟”
أجابت المرأة:
“أعطيتك كل الذاكرة.”
قال إيلان:
“لماذا؟”
قالت:
“لأننا احتجنا إلى شخص واحد يحمل الحقيقة كاملة.”
قال إيلان:
“فاخترتِني.”
قالت المرأة:
“لم أخترك.”
ثم نظرت إليه.
وقالت:
“أنت اخترت نفسك.”
سكت إيلان.
قالت المرأة:
“كنت أول شخص يرفض أن يعيش داخل نظام.”
ثم:
“أول شخص يرفض أن ينسى.”
ثم:
“وأول شخص يرفض أن يختار بين أوريال ونيرافا.”
قال إيلان:
“فصنعتم مني الصفر.”
قالت المرأة:
“لا.”
ثم:
“الصفر صنع نفسه فيك.”
نظر الرجل السادس إليها.
قال الرجل السادس:
“لقد حان الوقت.”
قالت المرأة:
“ليس بعد.”
قال الرجل السادس:
“لقد عرف.”
قالت:
“لم يعرف كل شيء.”
قال إيلان:
“إذن أخبروني.”
سكت الجميع.
ثم قال إيلان:
“ما الذي حدث في البداية؟”
اقترب الرجل السادس.
قال الرجل السادس:
“في البداية…”
ثم توقف.
قال إيلان:
“أكمل.”
قال الرجل السادس:
“لم يكن هناك إيلان.”
تغير وجه إيرا.
قالت إيرا:
“ماذا؟”
أجاب الرجل السادس:
“كان هناك شخص واحد فقط.”
قال إيلان:
“من؟”
نظر الرجل السادس إلى الكيان.
وقال:
“هو.”
نظر إيلان إلى الكيان.
قال إيلان:
“إذن أنت الأول.”
قال الكيان:
“نعم.”
قال إيلان:
“وأنا ماذا أكون؟”
أجاب الكيان:
“أنت الجزء الذي رفض أن يموت.”
سأل إيلان:
“كيف؟”
قال الكيان:
“قسمت نفسي.”
ثم أشار إلى أوريال.
وقال:
“وضعت جزءًا في الجسد.”
ثم أشار إلى نيرافا.
وقال:
“وضعت جزءًا في الذاكرة.”
ثم نظر إلى آرين.
وقال:
“وصنعت الرابط.”
ثم نظر إلى الطفل الآخر.
وقال:
“وحفظت الذاكرة.”
ثم نظر إلى إيرا.
وقال:
“وتركت الحب.”
وأخيرًا نظر إلى إيلان.
وقال:
“وتركت الاختيار.”
قال إيلان:
“لماذا قسمت نفسك؟”
أجاب الكيان:
“لأنني كنت أموت.”
قال إيلان:
“من ماذا؟”
قال الكيان:
“من نفسي.”
صمت إيلان.
قال الكيان:
“كنت أمتلك كل شيء.”
ثم:
“كل الذاكرة.”
ثم:
“كل الخوف.”
ثم:
“كل الرغبات.”
ثم:
“كل الاحتمالات.”
قال إيلان:
“فانقسمت.”
قال الكيان:
“نعم.”
قال إيلان:
“ومن صنعك؟”
أجاب الكيان:
“أنتم.”
تجمد الجميع.
قال إيلان:
“نحن؟”
قال الكيان:
“أنتم الذين جاؤوا بعدي.”
قال الرجل السادس:
“هذه هي الحقيقة التي لم يعرفها أحد.”
قال إيلان:
“كيف يمكن أن يصنع الابن أباه؟”
أجاب الرجل السادس:
“لأن الزمن لم يكن خطًا مستقيمًا.”
ثم نظر إلى الباب.
وقال:
“كان دائرة.”
بدأ الباب الأسود في السماء بالاتساع.
خرج منه ضوء هائل.
وفي وسط الضوء ظهرت صورة.
مدينة.
لكنها لم تكن أوريال.
ولا نيرافا.
كانت مدينة ضخمة بلا لون.
لا أزرق.
لا بنفسجي.
لا أحمر.
مدينة محايدة بالكامل.
وكانت تعيش فيها أعداد هائلة من البشر.
بلا أسوار.
بلا قوانين تمنع التواصل.
بلا فصل بين الجسد والذاكرة.
بلا مدينتين.
قال إيلان:
“هذه هي البداية.”
أجاب الكيان:
“نعم.”
قال إيلان:
“ماذا حدث لها؟”
صمت الكيان.
قال إيلان:
“أجب.”
قال الكيان:
“أنتم دمّرتموها.”
تراجعت إيرا.
قالت إيرا:
“كيف؟”
أجاب الكيان:
“لأنكم أردتم أن تصبحوا شيئًا أكبر من أنفسكم.”
ظهرت في السماء صور للمدينة وهي تنهار.
الناس يهربون.
الطاقة تنفجر.
الذاكرة تتحول إلى سلاح.
والأجساد تفقد السيطرة.
ثم ظهرت المرأة.
كانت أصغر سنًا.
وبجانبها رجل آخر.
قال الرجل:
“يجب أن نقسم النظام.”
أجابت المرأة:
“سيؤدي ذلك إلى فقدان الذاكرة.”
قال الرجل:
“أفضل من فقدان الجميع.”
ثم ظهرت أوريال.
ثم نيرافا.
ثم بدأت المدينة الأصلية تختفي.
قال إيلان:
“أنتم لم تبنوا المدينتين.”
قال الكيان:
“لا.”
قال إيلان:
“بل قسمتم مدينة واحدة إلى اثنتين.”
قال الكيان:
“نعم.”
قال إيلان:
“ولهذا كانت العودة ممكنة.”
قال الكيان:
“نعم.”
ثم قال:
“لكن هناك شيء واحد لم تعرفه.”
قال إيلان:
“ما هو؟”
أجاب الكيان:
“المدينة الأصلية لم تختفِ.”
نظر الجميع إلى البوابة.
قال الكيان:
“لقد بقيت تحتكم.”
ثم اهتزت الأرض.
وظهرت المدينة الثالثة.
لكنها لم تظهر في السماء.
ظهرت تحت أوريال ونيرافا.
مدينة كاملة.
بناياتها سوداء وبيضاء.
شوارعها واسعة.
وفي مركزها…
برج واحد.
وعلى قمته…
شخص يقف وحيدًا.
رفع إيلان عينيه.
قال إيلان:
“من هذا؟”
لم يجب الكيان.
قالت إيرا:
“إيلان…”
نظر إليها.
قالت إيرا:
“أنا أعرفه.”
قال إيلان:
“من؟”
أجابت إيرا:
“هو الرجل الذي كنت أراه في كل مرة قبل أن تموت.”
تغير وجه الرجل السادس.
قال الرجل السادس:
“مستحيل.”
قال إيلان:
“من هو؟”
قال الرجل السادس:
“الرجل الذي قتل إيلان الأول.”
ثم ظهرت صورة الرجل بوضوح.
كان يحمل وجه إيلان.
لكن هذه المرة…
كان حيًا.
رفع الرجل رأسه نحوهم.
وقال:
“أخيرًا…”
ثم ابتسم.
وقال:
“وصلتم إلى مدينتي.”
وانغلق باب السماء.
وفي اللحظة نفسها…
اختفت أوريال ونيرافا من مكانهما.
ولم يبقَ في السماء…
إلا المدينة الأصلية.
انتظر الجزء القادم
![]()
