الكاتب عبدالرحمن شعبان سعد
الحكم النهائي: شخص واحد فقط يمكنه البقاء.
ظل السطر معلقًا في السماء.
لم يتحرك أحد.
لم يتكلم أحد.
حتى الطفل الذي ظهر خلف الباب ظل واقفًا في مكانه، ينظر إلى إيلان وكأنه كان ينتظر منه إجابة يعرفها منذ البداية.
قال إيلان:
— ومن قال إنني سأقبل الحكم؟
ابتسم الطفل.
قال الطفل:
— أنت.
اقترب إيلان خطوة.
قال إيلان:
— أنا؟
قال الطفل:
— في كل مرة.
ثم أضاف:
— كنت تظن أنك تحاول النجاة.
توقف لحظة.
— لكنك كنت تختار.
نظر إيلان إلى آرين.
ثم إلى الطفل الآخر.
ثم إلى إيرا.
ثم إلى الجسد الأصلي.
وقال:
— إذن لماذا جعلتموني أختار واحدًا؟
أجاب الطفل:
— لأنهم لم يعرفوا كيف يفعلون شيئًا آخر.
قال إيلان:
— من هم؟
أشار الطفل إلى المدينة الأصلية التي كانت تتفكك من حولهم.
قال:
— الذين خافوا من أن يختار الإنسان شيئًا لم يختاروه له.
نظر إيلان إلى المرأة.
كانت تبكي.
لأول مرة منذ ظهرت أمامه، لم تكن عالمة تعرف الإجابات.
لم تكن منشئة.
لم تكن صاحبة مشروع.
كانت فقط امرأة تنظر إلى شيء صنعته، ثم أدركت أنه أصبح أكبر من قدرتها على السيطرة عليه.
قالت المرأة:
— إيلان…
نظر إليها.
قالت:
— كنت أريد أن أصنع إنسانًا لا يخاف.
قال إيلان:
— وفشلتِ.
هزت رأسها.
قالت:
— نعم.
ثم ابتسمت وسط دموعها.
— لكنني اكتشفت شيئًا أهم.
سألها إيلان:
— ماذا؟
قالت:
— الإنسان الذي لا يخاف لا يحتاج إلى الشجاعة.
ساد الصمت.
قالت:
— وأنت كنت أول من خاف… ثم اختار رغم خوفه.
خفض إيلان عينيه.
ثم نظر إلى الطفل.
قال إيلان:
— ماذا يحدث إذا اخترت؟
قال الطفل:
— يموت الباقي.
قال إيلان:
— وإذا رفضت؟
أجاب الطفل:
— يموت الجميع.
اقتربت إيرا.
قالت إيرا:
— إذن لا يوجد اختيار.
نظر إليها إيلان.
قالت:
— يوجد فخ.
ابتسم الطفل.
قال:
— أخيرًا فهم أحدكم.
رفع إيلان رأسه.
قال إيلان:
— ومن قال إن علينا اللعب بقواعدك؟
اختفت ابتسامة الطفل.
قال الطفل:
— ماذا تقصد؟
أجاب إيلان:
— أنتم صنعتم الاختيارات.
ثم أشار إلى الأبواب الأربعة.
— أنتم من قلتم إن هناك جسدًا وذاكرة وحياة وحبًا.
ثم أشار إلى نفسه.
— وأنتم من قلتم إن واحدًا فقط يمكنه البقاء.
ثم نظر إلى آرين والطفل الآخر وإيرا.
— لكنكم لم تسألوا السؤال الأهم.
قال الطفل:
— ما هو؟
أجاب إيلان:
— ماذا لو لم أكن واحدًا؟
ساد الصمت.
بدأت العلامة على صدره بالتحرك.
119.
ثم تحولت إلى 118.
ثم 117.
ثم 116.
ثم اختفت الأرقام تمامًا.
ظهرت بدلًا منها كلمة واحدة:
إيلان.
قال الرجل السادس:
— ماذا فعلت؟
قال إيلان:
— اخترت.
قال الرجل السادس:
— ماذا اخترت؟
نظر إيلان إلى آرين.
— أن يبقى.
ثم إلى الطفل الآخر.
— وأن تبقى.
ثم إلى إيرا.
— وأن تبقى.
ثم نظر إلى الجسد الأصلي.
— وأنت أيضًا.
قال الجسد:
— لا يمكنك ذلك.
قال إيلان:
— بل أستطيع.
قال الجسد:
— النظام لا يسمح.
أجاب إيلان:
— إذن النظام هو الذي يجب أن يموت.
وفجأة…
انطفأت العلامات.
واحدة بعد الأخرى.
اختفت علامة آرين.
ثم علامة الطفل الآخر.
ثم علامة إيرا.
ثم علامة الجسد الأصلي.
ثم اختفت علامة إيلان.
صرخ النظام:
— خطأ.
ثم:
— خطأ.
ثم:
— خطأ.
ثم ارتفع صوته للمرة الأولى:
— لا يمكن إتمام الاختيار.
قال إيلان:
— إذن لا تختار.
توقف النظام.
قال إيلان:
— اتركهم يعيشون.
ساد الصمت.
ثم ظهرت جملة:
لا يوجد تعريف للحياة المشتركة.
قال إيلان:
— الآن يوجد.
مد يده إلى إيرا.
ثم أمسك يد آرين.
وأمسك آرين يد الطفل الآخر.
وأمسك الطفل الآخر يد الجسد الأصلي.
ثم وقف الرجل السادس بجانبهم.
وبعد لحظات…
مد يده إليهم أيضًا.
قال الرجل السادس:
— هذه أول مرة نفعلها.
قال إيلان:
— ماذا؟
قال:
— لا أحد يترك أحدًا.
في اللحظة نفسها…
انفجرت المدينة الأصلية بالضوء.
لم يكن انفجارًا يدمر.
كان انفجارًا يحرر.
خرجت منه آلاف الذكريات.
ثم ملايين.
كل مدينة.
كل محاولة.
كل طفل.
كل شخص مات.
كل شخص نُسي.
كل حياة لم تكتمل.
كل حب مُنع.
كل اختيار تم مصادرته.
ظهرت أوريال.
لكنها لم تعد مدينة بنفسجية.
ظهرت نيرافا.
لكنها لم تعد مدينة حمراء.
ثم ظهرت مدن أخرى.
مدن لم يرها أحد من قبل.
وكانت كل مدينة تحمل اسمًا.
ثم بدأت الأسماء تختفي.
لأنها لم تعد مهمة.
لم يعد هناك أوريال وحدها.
ولا نيرافا وحدها.
ولا مدينة أصلية وحدها.
كان هناك عالم واحد.
عالم لم يعد مقسمًا إلى جسد وذاكرة.
اقترب كايان من نافذة النظام.
قال كايان:
— إيلان…
قال إيلان:
— نعم؟
قال كايان:
— ماذا حدث لأوريال؟
نظر إيلان إلى السماء.
ثم قال:
— لم تختفِ.
قالت سيرا:
— ونيرافا؟
أجاب:
— لم تختفِ أيضًا.
قالت سيرا:
— إذن ماذا حدث؟
ابتسم إيلان.
وقال:
— انتهت الحدود.
وبعدها…
انطفأت جميع الشاشات.
لم يبقَ أي نظام.
لم تبقَ قوانين قديمة.
لم يبقَ رقم للمحاولات.
لم يبقَ مشروع صفر.
لم يبقَ حراس للصفر.
ولم يبقَ أحد يعرف من كان إيلان الأول.
أو من كان رقم 118.
أو من كان رقم 119.
لم يعد أحد بحاجة إلى معرفة ذلك.
لأن إيلان لم يعد نسخة.
ولم يعد تجربة.
ولم يعد نتيجة مشروع.
كان إنسانًا.
فقط.
وقف بجوار إيرا.
وكان آرين إلى جوارهما.
والطفل الآخر يقف أمامهما.
أما الجسد الأصلي…
فقد اختفى.
سألت إيرا:
— أين ذهب؟
نظر إيلان إلى السماء.
قال إيلان:
— ربما عاد إلى المكان الذي جاء منه.
قالت إيرا:
— وهل انتهى؟
أجاب إيلان:
— لا أظن أن الأشياء التي نحبها تنتهي.
سألته:
— ماذا تفعل إذن؟
قال:
— تتغير.
ثم نظر إلى آرين.
كان آرين يضحك.
لأول مرة.
دون أن يخاف من أن يفقد ذاكرته.
ودون أن يسأل كم ساعة مرت عليه.
ودون أن يعرف كم سنة مرت على الآخرين.
كان فقط طفلًا.
وكان ذلك وحده كافيًا.
اقترب الطفل الآخر من إيلان.
قال الطفل الآخر:
— أبي.
نظر إليه إيلان.
قال الطفل الآخر:
— هل تتذكر كل شيء؟
سكت إيلان طويلًا.
ثم قال:
— لا.
ابتسم الطفل.
قال:
— لماذا؟
أجاب إيلان:
— لأنني لم أعد أحتاج إلى ذلك.
نظر الطفل إلى إيرا.
ثم إلى آرين.
ثم قال:
— وهل تتذكر لماذا اخترتنا؟
ابتسم إيلان.
وقال:
— لأنني لم أختركم.
قال الطفل:
— ماذا؟
قال إيلان:
— أنا اخترت ألا أفقدكم.
ثم نظر إلى الأفق.
وكانت هناك مدينة جديدة.
لا زرقاء.
ولا حمراء.
ولا بنفسجية.
مدينة بلون السماء حين لا يملك الإنسان اسمًا لما يراه.
مدينة لم تكن معلقة فوق شيء.
ولم تكن تخاف من شيء تحتها.
مدينة بلا حدود.
وبلا أبواب مغلقة.
وبلا قانون يقول لمن يعيش فيها:
لا تتجاوز.
اقتربت إيرا من إيلان.
قالت:
— وماذا سنسميها؟
نظر إليها.
ثم إلى آرين.
ثم إلى الطفل الآخر.
وفكر للحظات.
قال إيلان:
— لا أعرف.
ضحكت إيرا.
وقالت:
— لأول مرة لا تعرف؟
أجاب:
— وهذه المرة…
ابتسم.
— لا أريد أن أعرف كل شيء.
ثم مشوا معًا.
ولم يلتفت إيلان خلفه.
لأن الماضي لم يعد بابًا يخاف فتحه.
أصبح جزءًا من الطريق.
وفي مكان بعيد…
داخل بقايا المدينة الأصلية…
كانت هناك شاشة صغيرة ما زالت تعمل.
لم يكن عليها رقم.
ولا اسم.
ولا نظام.
كانت تعرض سطرًا واحدًا فقط:
لم تنتهِ المحاولة.
ثم اختفى السطر.
وظهر مكانه:
بدأ الإنسان.
وانطفأت الشاشة.
الخاتمة
ربما ظننت وأنت تقرأ أن هذه الحكاية كانت عن مدينة.
ثم ظننت أنها عن مدينتين.
ثم اكتشفت أنها عن تجربة.
ثم عن ذاكرة.
ثم عن إيلان.
ثم عن آرين وإيرا والطفل الآخر.
لكن الحقيقة أن الحكاية لم تكن عن أيٍّ منهم وحده.
كانت عن السؤال الذي يطارد الإنسان منذ عرف أنه يستطيع أن يختار:
هل نحن ما حدث لنا، أم ما قررنا أن نكونه بعد كل ما حدث؟
قد تُمحى ذاكرتك.
قد يتغير اسمك.
قد تخسر أشخاصًا أحببتهم.
قد تُجبرك الحياة على الوقوف في مكان لم تختره.
وقد تجد نفسك أحيانًا مثل إيلان…
لا تعرف أي نسخة منك هي الحقيقية.
لكن ربما لا توجد نسخة حقيقية أصلًا.
ربما أنت لست ماضيك.
ولست أخطاءك.
ولست ما فعله بك الآخرون.
أنت اللحظة التي قررت فيها، رغم كل شيء، ألا تتحول إلى ما آذاك.
وهذا هو الشيء الذي لم تستطع أوريال برمجته.
ولم تستطع نيرافا حفظه.
ولم يستطع مشروع صفر السيطرة عليه.
الاختيار.
لذلك…
إذا وصلت إلى نهاية هذه الرواية وأنت تبحث عن صاحب الصفر، فلا تبحث عنه في إيلان.
ولا في الرجل السادس.
ولا في الطفل.
ولا في المدينة الأصلية.
ابحث عنه في نفسك.
لأن الصفر ليس البداية.
الصفر هو اللحظة التي تسقط فيها كل الأسماء التي أعطاك إياها الآخرون، وتسأل نفسك للمرة الأولى:
من أريد أن أكون؟
ومنذ تلك اللحظة…
تبدأ الحكاية الحقيقية.
انتهت رواية مدينة السحاب.
لكن الاختيار… لم ينتهِ.
النهايه الى اللقاء في الروايه اخرى
![]()
