ﺟﺎﺭ ﺍﻟﺘﺤﻤﻴﻞ ...
IMG 20261014 WA0028

 

 الكاتب عبدالرحمن شعبان سعد

 

ولم يبقَ في السماء… إلا المدينة الأصلية.

 

لم تكن تشبه أوريال.

 

ولم تكن تشبه نيرافا.

 

لم يكن لها لون ثابت، ولا أبراج شاهقة، ولا مسارات ضوئية تمتد بين مبانيها، ولا حدود يمكن للنظر أن ينتهي عندها.

 

كانت مدينة بلا هوية ظاهرة.

 

كأنها لم تكن تحتاج إلى أن تختار لونًا، لأنها كانت تحتوي كل الألوان التي جاءت بعدها.

 

وفي اللحظة التي ظهرت فيها كاملة، توقفت كل الأنظمة.

 

توقفت الحركة.

 

توقفت البوابات.

 

توقفت المركبات المعلقة.

 

وتوقفت حتى أصوات الإنذارات التي كانت تمزق سماء أوريال ونيرافا قبل لحظات.

 

ثم انطفأت السماء.

 

لم يبقَ سوى المدينة الأصلية.

 

قال كايان:

 

— أين ذهبت أوريال؟

 

لم يجبه أحد.

 

قالت سيرا:

 

— ونيرافا؟

 

ظل السؤال معلقًا.

 

ثم ظهر صوت النظام.

 

لم يكن صوت أوريال.

 

ولم يكن صوت نيرافا.

 

كان صوتًا أقدم من الاثنين.

 

قال النظام:

 

— أوريال ونيرافا لم تختفيا.

 

نظر كايان إلى السماء.

 

قال كايان:

 

— إذن أين هما؟

 

قال النظام:

 

— في المكان الذي كانتا فيه قبل أن تصبحا مدينتين.

 

سكت الجميع.

 

اقترب إيلان من حافة المنصة التي يقفون عليها، ونظر إلى المدينة الأصلية.

 

كانت أبوابها تُفتح واحدًا تلو الآخر.

 

وفي كل مرة ينفتح فيها باب، يخرج منه ضوء يحمل مشهدًا.

 

باب يعرض ولادة مدينة.

 

باب يعرض حربًا.

 

باب يعرض طفلًا.

 

باب يعرض رجلًا يركض داخل ممر أبيض.

 

باب يعرض إيلان.

 

ثم باب يعرض إيرا.

 

ثم باب يعرض آرين.

 

ثم ظهر باب آخر.

 

وكان خلفه الطفل الآخر.

 

لكن الطفل الآخر لم يكن واقفًا.

 

كان جالسًا في غرفة مظلمة، يضم ركبتيه إلى صدره، وكأنه كان ينتظر هذه اللحظة منذ زمن لا يستطيع أحد حسابه.

 

قال آرين:

 

— هذا ليس ماضيًا.

 

نظر إليه إيلان.

 

قال إيلان:

 

— ماذا تقصد؟

 

قال آرين:

 

— هذه المدينة لا تعرض ما حدث.

 

ثم رفع رأسه.

 

— إنها تعرض ما سيحدث.

 

في اللحظة نفسها، تغير المشهد داخل الباب.

 

ظهر إيلان وهو يقف في وسط المدينة الأصلية.

 

أمامه المرأة.

 

وخلف المرأة الرجل الذي يشبه إيلان.

 

وعلى جانبيه آرين والطفل الآخر.

 

ثم ظهرت إيرا.

 

لكنها لم تكن وحدها.

 

كانت تحمل طفلًا صغيرًا.

 

تقدم إيلان خطوة.

 

قال إيلان:

 

— هذا الطفل…

 

قالت إيرا:

 

— أعرف.

 

نظر إليها.

 

قال إيلان:

 

— هل هو آرين؟

 

هزت إيرا رأسها.

 

قالت إيرا:

 

— لا.

 

اقتربت الصورة أكثر.

 

ظهر وجه الطفل.

 

كان يشبه آرين.

 

لكن عينيه كانتا مختلفتين.

 

لم تكونا تحملان حياة آرين.

 

كانتا تحملان شيئًا آخر.

 

شيئًا يشبه الحزن الذي يأتي بعد أن تتذكر كل شيء.

 

قال الطفل الآخر:

 

— لأنه أنا.

 

استدار الجميع نحوه.

 

قال إيلان:

 

— ماذا؟

 

قال الطفل الآخر:

 

— الطفل الذي كنت تراه في ذاكرتك لم يكن دائمًا آرين.

 

اقترب منه آرين.

 

قال آرين:

 

— إذن لماذا كنت أراه؟

 

قال الطفل الآخر:

 

— لأن ذاكرتك لم تكن قادرة على الفصل بيننا.

 

ثم نظر إلى إيلان.

 

— في كل محاولة، كنت تبحث عن طفل واحد.

 

سأله إيلان:

 

— وأين كنت أنت؟

 

قال الطفل الآخر:

 

— كنت أنتظر خلف ذاكرتك.

 

ساد الصمت.

 

ثم بدأت الأرض تهتز.

 

لم تكن هزة عادية.

 

كانت المدينة نفسها تتحرك.

 

المباني القديمة ارتفعت من الأرض.

 

الطرق انفتحت.

 

وتحتها ظهرت طبقات هائلة من الأنظمة القديمة.

 

قال كايان:

 

— هذه ليست مدينة.

 

ردت سيرا:

 

— ماذا تكون إذن؟

 

قال كايان:

 

— إنها جهاز.

 

ظهر صوت النظام:

 

— تصحيح.

 

توقف لحظة.

 

ثم قال:

 

— إنها ذاكرة.

 

رفع إيلان رأسه.

 

قال إيلان:

 

— ذاكرة من؟

 

لم يجب النظام.

 

لكن المرأة أجابت.

 

قالت المرأة:

 

— ذاكرة الأصل.

 

التفت إيلان إليها.

 

قال إيلان:

 

— أنت تعرفين كل شيء.

 

قالت المرأة:

 

— لا.

 

قال إيلان:

 

— إذن قولي ما تعرفينه.

 

تنفست المرأة ببطء.

 

قالت المرأة:

 

— أعرف لماذا بدأ كل شيء.

 

ثم نظرت إلى المدينة.

 

— لكنني لا أعرف كيف سينتهي.

 

قال إيلان:

 

— لماذا؟

 

قالت المرأة:

 

— لأن النهاية لم تكن موجودة في التصميم.

 

اقترب منها الرجل الذي يشبه إيلان.

 

قال الرجل:

 

— كانت موجودة.

 

نظرت إليه المرأة.

 

قالت المرأة:

 

— أنت لا تعرف.

 

قال الرجل:

 

— بل أعرف أكثر منك.

 

رفع يده.

 

ظهرت على كفه العلامة نفسها.

 

علامة الصفر.

 

ثم ظهرت العلامة على صدر إيلان.

 

ثم على آرين.

 

ثم على الطفل الآخر.

 

ثم على إيرا.

 

وفي اللحظة نفسها، ظهرت العلامة في قلب المدينة.

 

لكنها لم تكن علامة الصفر.

 

كانت دائرة مفتوحة.

 

قال الطفل الآخر:

 

— هذه هي الحقيقة.

 

قال إيلان:

 

— أي حقيقة؟

 

قال الطفل الآخر:

 

— لم يكن الصفر بداية.

 

توقف كل شيء.

 

حتى المرأة رفعت رأسها.

 

قالت المرأة:

 

— لا تقلها.

 

قال الطفل الآخر:

 

— الصفر كان الفراغ الذي تركناه عندما قسمنا الأصل.

 

نظر إيلان إلى الرجل.

 

قال إيلان:

 

— ومن هو الأصل؟

 

لم يجب الرجل.

 

ولم تجب المرأة.

 

لكن المدينة أجابت.

 

انفتحت البوابة الأكبر في وسطها.

 

وخرج منها صوت واحد.

 

صوت لم يكن يشبه صوت الكيان الذي واجهوه من قبل.

 

كان صوتًا بشريًا.

 

هادئًا.

 

قريبًا.

 

ومخيفًا.

 

قال الصوت:

 

— أنا الأصل.

 

ثم ظهرت صورة رجل.

 

لم يكن إيلان.

 

ولم يكن الرجل السادس.

 

ولم يكن الطفل الآخر.

 

كان رجلًا لا يعرفه أحد.

 

لكن إيلان ما إن رآه حتى تراجع خطوة.

 

قال إيلان:

 

— أنت…

 

اقتربت إيرا منه.

 

قالت إيرا:

 

— من هذا؟

 

لم يجب إيلان.

 

كانت ذاكرته قد سبقته.

 

رآه أمام الباب الأبيض.

 

رآه في آخر لحظة من حياة إيلان الأول.

 

رآه واقفًا خلف الرجل السادس.

 

رآه يوم بدأت المحاولة الأولى.

 

ثم رأى شيئًا آخر.

 

رآه وهو يضع يده على رأس طفل صغير.

 

الطفل كان إيلان.

 

رفع إيلان يده إلى رأسه.

 

قال إيلان:

 

— أنت كنت هناك.

 

ابتسم الرجل.

 

قال الرجل:

 

— كنت موجودًا قبل أن تعرفوا أسماءكم.

 

صرخت المرأة:

 

— لا تستمع إليه.

 

نظر الرجل إليها.

 

قال الرجل:

 

— وما زلت تخافين أن يتذكر؟

 

قالت المرأة:

 

— لأنك تعرف ماذا سيحدث إذا تذكر.

 

قال الرجل:

 

— بل أنت تعرفين.

 

ثم نظر إلى إيلان.

 

قال الرجل:

 

— أنت لم تكن التجربة رقم 119.

 

سكت إيلان.

 

قال الرجل:

 

— ولم تكن رقم 118.

 

ثم ابتسم.

 

— ولم تكن حتى إنسانًا في المحاولة الأولى.

 

اقترب إيلان منه.

 

قال إيلان:

 

— ماذا كنت؟

 

قال الرجل:

 

— كنت القرار.

 

ظهر آرين فجأة أمام إيلان.

 

قال آرين:

 

— لا.

 

نظر إيلان إليه.

 

قال آرين:

 

— هذا ليس هو.

 

قال الرجل:

 

— دعه يتذكر.

 

قال آرين:

 

— إذا تذكر كل شيء الآن، ستنهار المدينة.

 

قال الرجل:

 

— المدينة يجب أن تنهار.

 

قالت إيرا:

 

— ولماذا؟

 

أجاب الرجل:

 

— لأنها بنيت فوق كذبة.

 

اهتزت المدينة من جديد.

 

وفي السماء، ظهرت أوريال للحظة.

 

ثم ظهرت نيرافا.

 

لكن المدينتين لم تعودا كما كانتا.

 

كانتا متداخلتين.

 

أبراج أوريال البنفسجية تخترق منشآت نيرافا الحمراء.

 

الممرات اختلطت.

 

الأنظمة اندمجت.

 

والسكان في المدينتين بدأوا يرون بعضهم بعضًا.

 

لم تعد هناك حدود.

 

لم يعد هناك قانون يقول:

 

لا تتجاوز حدود أوريال.

 

ولا قانون يمنع الاقتراب من نيرافا.

 

كانت الحدود تختفي أمام أعين الجميع.

 

قالت سيرا:

 

— إنهما تندمجان.

 

قال كايان:

 

— هذا مستحيل.

 

ظهر النظام.

 

قال النظام:

 

— ليس اندماجًا.

 

سأل كايان:

 

— إذن ماذا؟

 

قال النظام:

 

— استعادة.

 

رفع إيلان عينيه.

 

قال إيلان:

 

— استعادة ماذا؟

 

أجاب النظام:

 

— الشخص الذي كان موجودًا قبل أن تصبح المدن مدنًا.

 

تجمدت ملامح إيلان.

 

قال إيلان:

 

— شخص؟

 

قال النظام:

 

— نعم.

 

ثم ظهرت جملة واحدة في السماء:

 

الهوية الأصلية: إيلان.

 

توقف قلب إيلان للحظة.

 

قالت إيرا:

 

— إيلان…

 

لكن النظام لم يتوقف.

 

ظهرت جملة ثانية:

 

الحالة: منقسمة.

 

ثم ثالثة:

 

الجسد: أوريال.

 

الذاكرة: نيرافا.

 

الرابط: آرين.

 

الحافظ: الطفل الآخر.

 

ثم ظهرت جملة خامسة.

 

توقفت عندها الأنظمة كلها.

 

لم يستطع أحد قراءتها.

 

اقترب إيلان.

 

ظهرت الكلمات ببطء.

 

الاختيار: إيرا.

 

شهقت إيرا.

 

قالت إيرا:

 

— أنا؟

 

قال الرجل:

 

— نعم.

 

ثم ظهرت جملة أخيرة.

 

القرار: إيلان.

 

صمت الجميع.

 

فهم إيلان أخيرًا.

 

لم تكن أوريال ونيرافا مدينتين متعاديتين.

 

ولم تكن الحرب مجرد صراع بين مجتمعين.

 

ولم يكن آرين مجرد طفل.

 

ولم يكن الطفل الآخر مجرد ذاكرة.

 

ولم تكن إيرا مجرد فتاة أحبها.

 

كل شيء كان جزءًا من شيء واحد.

 

من شخص واحد.

 

من قرار واحد.

 

من محاولة واحدة بدأت قبل أن تبدأ المحاولات كلها.

 

رفع إيلان رأسه.

 

قال إيلان:

 

— إذن كل هذه السنوات…

 

نظر إلى المرأة.

 

— كل هذه المحاولات…

 

ثم إلى الرجل.

 

— وكل هؤلاء الأشخاص الذين ماتوا…

 

ثم إلى آرين والطفل الآخر وإيرا.

 

— كانوا يحاولون إعادتي؟

 

قال الرجل:

 

— لا.

 

توقف.

 

ثم قال:

 

— كانوا يحاولون منعك من العودة.

 

في اللحظة نفسها، انطفأت المدينة الأصلية.

 

ثم اشتعلت من جديد.

 

لكن هذه المرة لم يظهر فيها أي مبنى.

 

لم تظهر شوارع.

 

ولا أبواب.

 

ولا أنظمة.

 

ظهر وجه واحد فقط.

 

وجه إيلان.

 

ثم قال الصوت:

 

— والآن…

 

توقفت المدينة.

 

— حان الوقت لتختار.

 

ظهر أمام إيلان بابان.

 

باب أبيض.

 

وباب أسود.

 

ثم ظهر باب ثالث.

 

كان أحمر.

 

وبعده باب رابع.

 

كان بنفسجيًا.

 

لكن إيلان لم يتحرك.

 

قال آرين:

 

— أبي، لا تختَر.

 

قال الطفل الآخر:

 

— إذا اخترت بابًا واحدًا، سيموت الباقي.

 

قالت إيرا:

 

— لا تنظر إلى الأبواب.

 

قال الرجل:

 

— اختر.

 

وقالت المرأة:

 

— تذكر لماذا اخترت في المرة الأولى.

 

أغمض إيلان عينيه.

 

وعندما فتحهما…

 

لم ينظر إلى أي باب.

 

بل نظر إلى الأرض.

 

ثم قال بهدوء:

 

— هذه المرة…

 

توقفت كل الأنظمة.

 

قال إيلان:

 

— لن أختار من بينكم.

 

رفع رأسه.

 

— سأختار من أكون.

 

وفي اللحظة نفسها…

 

انفتح الباب الذي لم يكن موجودًا.

 

باب يحمل علامة واحدة فقط.

 

0

 

ومن خلفه…

 

خرجت صرخة آلاف الأشخاص في وقت واحد.

 

ثم ظهر صوت واحد:

 

— لقد اختار.

 

وانطفأت العلامات الأربع.

 

وبقي الصفر وحده.

 

ثم بدأت المدينة الأصلية في الانهيار.

 

انتظروا الجزء القادم

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *