ﺟﺎﺭ ﺍﻟﺘﺤﻤﻴﻞ ...
IMG 20261014 WA0029

 

 الكاتب عبدالرحمن شعبان سعد

 

وبدأت المدينة الأصلية في الانهيار.

 

لكنها لم تسقط إلى الأسفل.

 

لم يكن هناك أسفل أصلًا.

 

كانت طبقات المدينة تتفكك في الهواء، ثم تتحول إلى ملايين الجزيئات المضيئة التي ترتفع بدلًا من أن تسقط، وكأن المدينة لم تكن مبنية من مادة، بل من ذكريات ظلت متماسكة لقرون طويلة، وحين فقدت السبب الذي يجمعها، لم تجد ما يمنعها من العودة إلى الفراغ.

 

صرخ كايان:

 

— إيلان، ماذا فعلت؟

 

لم يجب إيلان.

 

كان واقفًا أمام الباب الذي يحمل علامة الصفر.

 

لم يكن الباب أبيض.

 

ولم يكن أسود.

 

ولم يكن أحمر أو بنفسجيًا.

 

كان بلا لون.

 

وكان هذا أكثر ما أخافهم.

 

قالت سيرا:

 

— الباب لا يعكس الضوء.

 

نظر كايان إليه.

 

قال كايان:

 

— لأنه ليس بابًا.

 

قالت سيرا:

 

— إذن ماذا يكون؟

 

قال كايان:

 

— لا أعرف.

 

جاء صوت الطفل الآخر:

 

— لأنه لا يفصل بين مكانين.

 

التفت إليه إيلان.

 

قال إيلان:

 

— إذن ماذا يفعل؟

 

أجاب الطفل الآخر:

 

— يفصل بين شخصين.

 

سأل إيلان:

 

— شخصين من؟

 

نظر الطفل الآخر إليه طويلًا.

 

ثم قال:

 

— منك.

 

في تلك اللحظة، تحرك الباب.

 

لم يُفتح.

 

بل بدأ يختفي.

 

وكأن شيئًا خلفه كان يسحبه إلى الداخل.

 

صرخ آرين:

 

— أبي، ابتعد!

 

لكن إيلان لم يتحرك.

 

قال آرين:

 

— إنه يريدك وحدك.

 

قال إيلان:

 

— من؟

 

لم يجب آرين.

 

لأن الصوت جاء من خلف الباب.

 

قال الصوت:

 

— أنا.

 

تجمد إيلان.

 

كان الصوت صوته.

 

لكن أعمق.

 

أقدم.

 

وأكثر هدوءًا.

 

قال الصوت:

 

— لا تخف مني يا إيلان.

 

قال إيلان:

 

— أنت لست أنا.

 

قال الصوت:

 

— هذا ما جعلهم ينجحون.

 

ثم ظهر شيء خلف الباب.

 

وجه.

 

وجه إيلان.

 

لكن الوجه لم يكن لنسخة شابة.

 

ولا لنسخة عجوز.

 

كان وجهًا لا يحمل أي عمر.

 

وجهًا بلا تعب.

 

بلا خوف.

 

وبلا ذاكرة واضحة.

 

قال الرجل السادس:

 

— لا تقترب.

 

نظر إيلان إليه.

 

قال إيلان:

 

— لماذا؟

 

قال الرجل السادس:

 

— لأنك إذا دخلت، لن أستطيع إعادتك.

 

قال إيلان:

 

— وهل أعدتني من قبل؟

 

لم يجب الرجل.

 

فهم إيلان الإجابة.

 

قال إيلان:

 

— كم مرة؟

 

قال الرجل السادس:

 

— سبع عشرة مرة.

 

اقتربت إيرا.

 

قالت إيرا:

 

— وكم مرة فشل؟

 

أجاب الرجل السادس:

 

— ست عشرة.

 

سألت إيرا:

 

— والمرة السابعة عشرة؟

 

نظر إليها.

 

قال الرجل السادس:

 

— لم تكن محاولة.

 

صمتت.

 

قالت إيرا:

 

— ماذا كانت؟

 

قال الرجل السادس:

 

— كانت اللحظة التي فهم فيها إيلان أنه لا يستطيع إنقاذ الجميع.

 

نظر إيلان إليه.

 

قال إيلان:

 

— وماذا فعل؟

 

قال الرجل السادس:

 

— اختار أن يموت.

 

ظهر المشهد أمامهم.

 

لم يعد مجرد تسجيل.

 

كانت ذاكرة كاملة.

 

ظهر إيلان الأول داخل المدينة الأصلية.

 

كان أصغر سنًا.

 

وأمامَه المرأة.

 

وخلفها ستة أشخاص.

 

وكان آرين والطفل الآخر موجودين، لكنهما كانا أصغر بكثير.

 

كانت إيرا تقف في الجانب الآخر.

 

قال إيلان الأول:

 

— إذا فتحت الباب، ماذا سيحدث؟

 

قالت المرأة:

 

— ستعود الذاكرة.

 

قال إيلان الأول:

 

— وماذا بعدها؟

 

قالت المرأة:

 

— لن تستطيع السيطرة عليها.

 

قال إيلان الأول:

 

— ومن سيتحكم؟

 

قالت المرأة:

 

— أنت.

 

ابتسم إيلان الأول بحزن.

 

قال إيلان الأول:

 

— لا.

 

ثم نظر إلى الطفلين.

 

— الذاكرة لا يجب أن تكون في يد شخص واحد.

 

اقتربت إيرا منه.

 

قالت إيرا:

 

— إذن ماذا سنفعل؟

 

قال إيلان الأول:

 

— نقسمها.

 

قالت المرأة:

 

— إذا قسمت الذاكرة، سينقسم الجسد.

 

قال إيلان الأول:

 

— إذن سنقسم كل شيء.

 

سألته المرأة:

 

— حتى الحب؟

 

نظر إيلان الأول إلى إيرا.

 

ثم قال:

 

— خصوصًا الحب.

 

اختفى المشهد.

 

عاد إيلان إلى الحاضر.

 

قال إيلان:

 

— هذا أنا؟

 

قال الرجل السادس:

 

— نعم.

 

قال إيلان:

 

— لكن لماذا لا أتذكر؟

 

أجاب الطفل الآخر:

 

— لأنك لم تكن أنت الذي يحتفظ بذكرياتك.

 

قال إيلان:

 

— أنت؟

 

هز الطفل الآخر رأسه.

 

قال الطفل الآخر:

 

— أنا كنت أحمل ما لم تستطع أنت حمله.

 

ثم أشار إلى آرين.

 

قال الطفل الآخر:

 

— وهو كان يحمل ما لم تستطع الذاكرة حمله.

 

نظر إيلان إلى آرين.

 

قال آرين:

 

— الحياة.

 

ثم أشار الطفل الآخر إلى نفسه.

 

قال:

 

— الذاكرة.

 

وأخيرًا وضع يده على صدر إيلان.

 

قال:

 

— وأنت القرار.

 

تراجعت إيرا خطوة.

 

قالت إيرا:

 

— وأنا؟

 

نظر إليها الطفل الآخر.

 

قال:

 

— أنت الشيء الوحيد الذي لم يستطيعوا تقسيمه.

 

سألت إيرا:

 

— ماذا تقصد؟

 

قال:

 

— كل مرة حاولوا أن يفصلوك عنه، عدتِ إليه.

 

قالت إيرا:

 

— حتى بعد أن مات؟

 

قال:

 

— خصوصًا بعد أن مات.

 

بدأت المدينة الأصلية في الانهيار بسرعة أكبر.

 

لكن هذه المرة، لم يكن الانهيار عشوائيًا.

 

كانت أجزاء منها تتجه نحو أوريال ونيرافا.

 

وفي السماء ظهرت المدينتان من جديد.

 

لكن شيئًا تغير.

 

لم تعدا منفصلتين.

 

كان بينهما جسر ضخم من الضوء.

 

قال كايان:

 

— الاتصال بين المدينتين أصبح كاملًا.

 

قالت سيرا:

 

— ماذا سيحدث؟

 

ظهر النظام.

 

قال النظام:

 

— استعادة الذاكرة الشاملة.

 

سأل كايان:

 

— وهل هذا خطر؟

 

أجاب النظام:

 

— نعم.

 

سألته سيرا:

 

— إلى أي درجة؟

 

توقف النظام.

 

ثم قال:

 

— قد لا يبقى شخص واحد يعرف أي ذاكرة تخصه.

 

صمت الجميع.

 

قالت سيرا:

 

— إذن يجب إيقافه.

 

جاء صوت إيلان عبر النظام:

 

— لا.

 

نظرت سيرا إلى السماء.

 

قالت سيرا:

 

— إيلان؟

 

قال إيلان:

 

— لا توقفوه.

 

قال كايان:

 

— أنت مجنون.

 

قال إيلان:

 

— ربما.

 

ثم نظر إلى المدينة الأصلية.

 

— لكننا أوقفنا الذاكرة ألف مرة.

 

قالت سيرا:

 

— وماذا لو دمرتنا هذه المرة؟

 

أجاب إيلان:

 

— ربما هذا هو الشيء الذي كانوا يخافون منه.

 

سأل كايان:

 

— من؟

 

قال إيلان:

 

— أصحاب المدينة.

 

ساد الصمت.

 

ثم ظهر الرجل الذي كان داخل المدينة الأصلية.

 

الرجل الذي قال إنه الأصل.

 

كان يقف الآن بين المدينتين.

 

قال الرجل:

 

— أحسنت.

 

رفع إيلان عينيه.

 

قال إيلان:

 

— أنت تريد أن أفتح الباب.

 

قال الرجل:

 

— نعم.

 

قال إيلان:

 

— لماذا؟

 

ابتسم الرجل.

 

قال:

 

— لأنك إذا فتحته، ستعود إليك كل الأشياء التي أخذناها منك.

 

قال إيلان:

 

— ومن أنتم؟

 

قال الرجل:

 

— نحن الذين صنعناك.

 

تدخلت المرأة.

 

قالت المرأة:

 

— لا تصدقه.

 

نظر الرجل إليها.

 

قال الرجل:

 

— لقد كذبت عليه بما يكفي.

 

ثم أشار إلى إيلان.

 

— أخبريه من أين جاء.

 

قالت المرأة:

 

— قلت له الحقيقة.

 

قال الرجل:

 

— قلت له نصفها.

 

نظر إيلان إلى المرأة.

 

قال إيلان:

 

— ما النصف الآخر؟

 

لم تجب.

 

قال إيلان:

 

— أمي؟

 

انخفض رأسها.

 

قال إيلان:

 

— هل أنا ابنك فعلًا؟

 

قالت المرأة:

 

— نعم.

 

قال إيلان:

 

— هل صنعتِني؟

 

قالت المرأة:

 

— نعم.

 

قال إيلان:

 

— إذن لماذا؟

 

بقيت صامتة.

 

ثم قالت:

 

— لأنني كنت أريد أن أعرف إن كان يمكن للإنسان أن يختار شيئًا لم نبرمجه عليه.

 

قال إيلان:

 

— وهل نجحتِ؟

 

نظرت إليه.

 

قالت:

 

— نعم.

 

قال إيلان:

 

— وما هو الشيء الذي لم تبرمجيه؟

 

أجابت:

 

— أن تختار ألا تكره.

 

ساد الصمت.

 

قالت إيرا:

 

— ولهذا فصلونا؟

 

قالت المرأة:

 

— نعم.

 

قال إيلان:

 

— ولهذا صنعتِ أوريال؟

 

قالت المرأة:

 

— أوريال كانت الجسد.

 

قال إيلان:

 

— ونيرافا؟

 

قالت المرأة:

 

— الذاكرة.

 

قال إيلان:

 

— وآرين؟

 

صمتت المرأة.

 

ثم قالت:

 

— كان الخطأ.

 

نظر آرين إليها.

 

قال آرين:

 

— لا.

 

تراجعت المرأة.

 

قال آرين:

 

— أنا لم أكن الخطأ.

 

قالت المرأة:

 

— لم يكن من المفترض أن تولد.

 

قال آرين:

 

— لكنني ولدت.

 

قالت:

 

— ولهذا بدأت كل المحاولات تنهار.

 

تقدم آرين خطوة.

 

قال آرين:

 

— لا.

 

ثم نظر إلى إيلان.

 

— المحاولات لم تنهَر لأنني وُلدت.

 

وأشار إلى الطفل الآخر.

 

— انهارت لأننا تذكرنا.

 

فجأة…

 

انفجر ضوء أبيض فوق المدينتين.

 

ظهرت عشرات الآلاف من الأشكال.

 

حراس الصفر.

 

لكنهم لم يهاجموا.

 

كانوا واقفين فقط.

 

ينظرون إلى إيلان.

 

ثم انحنى جميعهم في اللحظة نفسها.

 

قال كايان:

 

— لماذا ينحنون؟

 

لم يجب أحد.

 

رفع إيلان رأسه.

 

قال إيلان:

 

— لأنهم لا يرونني.

 

قالت إيرا:

 

— ماذا يرون إذن؟

 

أجاب إيلان:

 

— يرون صاحب الصفر.

 

تقدم أحد الحراس.

 

كان يحمل شيئًا صغيرًا في يده.

 

اقترب حتى أصبح أمام إيلان.

 

ثم فتح يده.

 

كانت فيها قطعة معدنية صغيرة.

 

عليها علامة واحدة.

 

0

 

قال الحارس:

 

— لقد حان الوقت.

 

سأله إيلان:

 

— لأي شيء؟

 

قال الحارس:

 

— لإعادة صاحب الصفر إلى مكانه.

 

قال إيلان:

 

— وما هو مكاني؟

 

رفع الحارس رأسه.

 

وقال:

 

— بين الحياة والذاكرة.

 

نظر إيلان إلى آرين.

 

ثم إلى الطفل الآخر.

 

ثم إلى إيرا.

 

ثم إلى المدينة الأصلية التي كانت تتفكك أمامه.

 

قال إيلان:

 

— لا.

 

توقف الحارس.

 

قال إيلان:

 

— لن أعود إلى مكان صنعتموه لي.

 

ثم أمسك قطعة الصفر.

 

ضغط عليها بيده.

 

انكسرت.

 

في اللحظة نفسها…

 

توقفت كل حركات حراس الصفر.

 

ثم انطفأت المدينة الأصلية بالكامل.

 

لكن قبل أن تختفي…

 

سمع إيلان صوتًا من داخلها.

 

صوتًا يعرفه جيدًا.

 

صوت الطفل الآخر.

 

قال:

 

— أبي…

 

التفت إيلان.

 

لم يكن الطفل الآخر بجواره.

 

كان واقفًا داخل المدينة الأصلية.

 

وخلفه آرين.

 

قال إيلان:

 

— آرين؟

 

لم يكن آرين يسمعه.

 

كان الاثنان خلف حاجز من الضوء.

 

رفع آرين يده.

 

ثم قال:

 

— لا تحاول إنقاذنا.

 

صرخ إيلان:

 

— لماذا؟

 

نظر آرين إليه.

 

وقال:

 

— لأننا هذه المرة…

 

توقف.

 

ثم ابتسم.

 

— سننقذك أنت.

 

وأُغلقت المدينة الأصلية.

 

وبقي إيلان واقفًا بين أوريال ونيرافا.

 

لكن قبل أن يفهم ما حدث…

 

ظهرت على صدره علامة جديدة.

 

لم تكن الصفر.

 

كانت الرقم:

 

119

 

ثم ظهر تحتها مباشرة:

 

المحاولة الأخيرة: بدأت.

 

رفع إيلان رأسه.

 

وفي اللحظة نفسها…

 

سمع صوتًا خلفه.

 

صوت رجل يشبهه تمامًا.

 

قال:

 

— الآن فقط… يمكنني قتلك.

 

انتظر الجزء القادم

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *