بقلم / د. فتحى عبدالحميد
حين نفتح الباب إلى عالم المرأة لا ينبغي أن ندخل إليه بعين القاضي الذي يبحث عن إدانة ولا بعين المحامي الذي يتولى الدفاع عنها في كل شيء بل بعين الإنسان الذي يريد أن يفهم الإنسان لأن أكثر ما أفسد العلاقات بين الرجل والمرأة أننا اعتدنا أن ننظر إلى أحدهما من داخل تجربتنا الخاصة ثم نحاكمه بقوانين لم يضعها ولم يخترها وربما لم يفهمها هو نفسه فصارت المرأة تتهم الرجل بأنه لا يشعر وصار الرجل يتهم المرأة بأنها لا تكتفي وصار كل منهما يقف في الجانب الآخر من العلاقة ممسكا بقائمة طويلة من المظالم ومطالبا الآخر بأن يعترف بكل ما فعله بينما لا يجد في نفسه مساحة كافية للاعتراف بما أخطأ فيه هو أو بما عجز عن فهمه أو بما لم يعرف كيف يعبر عنه
وربما كان السؤال الذي ينبغي أن نبدأ به ليس ما الذي لا تقوله النساء بل ما الذى لا يقوله الإنسان حين يخشى أن يخسر الحب إذا قال الحقيقة ؟ وماذا يحدث حين يعيش رجل وامرأة تحت سقف واحد سنوات طويلة بينما يظل كل منهما غريبا عن العالم الداخلي للآخر يفسر صمته على هواه ويقرأ غضبه من خلال جروحه القديمة ويترجم طلباته وفقا لمخاوفه الشخصية ثم يتعجبان كيف تحولت المسافة الصغيرة بين قلبين إلى هوة لا يستطيعان عبورها ؟
إن المرأة ليست نموذجا واحدا كما أن الرجل ليس نسخة مكررة من رجل آخر فالنساء يختلفن في طبائعهن وتجاربهن واحتياجاتهن ومخاوفهن كما يختلف الرجال في قدرتهم على التعبير وفي طريقتهم في الحب وفي علاقتهم بالمسؤولية والسلطة والمال والنجاح والخذلان وما نراه في السلوك الظاهر قد لا يكون هو الحقيقة الكاملة الكامنة خلفه فقد يكون الصمت هدوءا وقد يكون احتجاجا وقد يكون خوفا من أن يتحول الكلام إلى معركة وقد يكون الغضب دفاعا عن كرامة مجروحة وقد يكون انسحاب الرجل من النقاش محاولة لتجنب انفجار لا يعرف كيف يحتويه وقد يكون هروبه إلى العمل رغبة في توفير الأمان لأسرته أو طمعا فى بناء حلمه الذي ينعكس بدوره على أسرته أيضا وقد يكون في الوقت نفسه وسيلة غير واعية للفرار من مواجهة يعجز عن خوضها وقد تكون مطالبة المرأة بالاهتمام تعبيرا عن احتياج حقيقي وقد تتحول في بعض الحالات إلى مطالبة مستمرة لا تمنح الطرف الآخر فرصة لالتقاط أنفاسه ولهذا لا يكفي أن نسأل ماذا فعل كل منهما ؟ بل ينبغي أن نسأل لماذا فعل ؟ وكيف فهم الآخر ما فعله ؟ وما الذي حمله على هذا الفهم ؟ وهل كان الخلاف في أصل الفعل أم في المعنى الذي منحه له الطرفان ؟
إن أخطر ما يمكن أن يقع فيه الرجل والمرأة أن يختصر كل منهما الآخر في أسوأ لحظاته
فيصبح الرجل في عين المرأة قاسيا لمجرد أنه لم يعرف كيف يواسيها في لحظة ألم
وتصبح المرأة في عين الرجل جاحدة لمجرد أنها لم تستطع أن ترى ما يبذله من أجلها وربما كان هو قد أمضى يومه في عمل مرهق يحاول أن يوفر لها ولأبنائهما حياة كريمة ثم عاد إلى البيت مثقلا بمشكلات لا يستطيع البوح بها لأنه تربى على أن الرجل ينبغي أن يحتمل وألا يشكو وألا يعترف بالتعب إلا في حدود ضيقة وربما كانت هي قد أمضت اليوم نفسه بين مسؤوليات البيت والأبناء والعمل والقلق والتفكير في تفاصيل لا يراها أحد ثم انتظرت عودته لتجد منه كلمة حانية أو سؤالا صادقا عن حالها فإذا به يجلس صامتا يبحث عن بعض السكون فتقرأ صمته باعتباره إهمالا ويقرأ طلبها باعتباره اتهاما وينتهي الحال إلى خصومة لا يكون سببها الحقيقي قلة الحب بل اختلاف الفهم وتباين الحاجة إلى الراحة وطريقة التعبير عنها
هنا ينبغي للمرأة أن تفهم أن الرجل قد يحبها بصدق لكنه لا يمتلك دائما اللغة التي تريدها منه وأنه قد يحمل إليها قلبا ممتلئا بالمودة لكنه يقدمها في صورة عمل أو إنفاق أو حماية أو انشغال بمستقبل الأسرة بينما تنتظر هي كلمة أو حضنا أو حوارا طويلا وأنه قد يظن أن توفير احتياجات البيت إعلان كاف عن الحب لأنه تعلم أن الحب مسؤولية تؤدى قبل أن يكون مشاعر تقال وقد يكون مخطئا حين يتصور أن المال وحده يكفي وأن الصمت يمكن أن يقوم مقام المشاركة العاطفية لكن خطأه لا يعني بالضرورة أنه لا يحبها كما أن عليها أن تدرك أن الرجل الذي يطلب الهدوء بعد يوم طويل ليس بالضرورة يرفضها وأن الذي لا يجد الكلمات المناسبة قد يحتاج إلى أن يتعلم لا إلى أن يحاكم في كل مرة وكأنه اختار العجز عن التعبير عمدا غير أن هذا الفهم لا ينبغي أن يتحول إلى إعفاء له من واجبه في الإصغاء والاهتمام لأن ما لا يعرفه الإنسان يمكنه أن يتعلمه وما يعجز عنه اليوم يستطيع أن يحاول فيه غدا ما دام يعترف بأن الطرف الآخر يتألم وأن الحب ليس مجرد نية طيبة بل أثر يصل إلى قلب من نحب
وفي المقابل ينبغي للرجل أن يفهم أن المرأة لا تطلب منه في كل مرة حلا لمشكلاتها ولا تنتظر منه أن يغير العالم من أجلها فقد تريد أحيانا أن تتحدث فقط وأن تجد أمامها إنسانا لا يقاطعها ولا يقلل من ألمها ولا يسارع إلى تفسير مشاعرها باعتبارها مبالغة أو حساسية زائدة وربما لم تكن بحاجة إلى نصيحة بقدر حاجتها إلى أن تشعر أن ما يحدث داخلها يستحق أن يسمع وأنها ليست مضطرة إلى تقديم الأدلة لإثبات حزنها كما لا ينبغي أن تفهم المرأة أن عجز الرجل عن استيعاب كل تفاصيل شعورها في اللحظة نفسها دليل على أنه لا يكترث بها فبعض الرجال يحتاجون إلى وقت كي يفهموا ما يسمعونه وبعضهم تربى في بيئة كانت تسخر من المشاعر وتعد الاعتراف بالخوف ضعفا وبعضهم لم يتعلم في طفولته كيف يواسي أحدا لأنه لم يجد من يواسيه وربما لم يسمع في حياته كلمة تسمح له بأن يكون ضعيفا دون أن يفقد احترام الآخرين له وحين يكبر قد يصبح زوجا وأبا ومسؤولا لكنه يظل في داخله ذلك الطفل الذي تعلم أن يخفي دموعه وأن يحول خوفه إلى غضب وأن يستبدل طلب المساعدة بالصمت أو العمل أو الانشغال الدائم
ولا تعني هذه الحقيقة أن الرجل ضحية دائما ولا أن المرأة مسؤولة عن إصلاح ما أفسدته سنوات نشأته فلكل إنسان مسؤولية عن الطريقة التي يتعامل بها مع جراحه ولا يجوز أن يجعل ماضيه تصريحا مفتوحا لإيذاء الآخرين لكن فهم الجرح قد يمنعنا من إساءة قراءة صاحبه وقد يفتح بابا للإصلاح لا تفتحه الإدانة وحدها فالمرأة ليست معالجة نفسية للرجل ولا الرجل مطالب بأن يكون منقذا دائما للمرأة وكلاهما يحتاج إلى علاقة يستطيع فيها أن يكون إنسانا لا مشروعا للإصلاح وأن يتلقى المساندة دون أن يتخلى عن مسؤوليته وأن يخطئ دون أن يتحول الخطأ إلى هوية ثابتة تلاحقه وأن يعتذر دون أن يشعر أن الاعتذار يهدم كرامته وأن يطلب المساعدة دون أن يظن أنه فقد مكانته في قلب الآخر
ولعل الطفولة من أكثر المفاتيح التي تساعدنا على فهم هذا الاختلاف فهناك امرأة نشأت في بيت لم يكن الحب فيه مضمونا فصارت تبحث عن التأكيد المتكرر وتخاف من التغير المفاجئ في نبرة الصوت وهناك رجل نشأ في بيت لا ينال فيه التقدير إلا حين ينجح أو ينفق أو ينتصر فصار يربط قيمته بقدرته على الإنجاز ويشعر بالفشل حين يعجز عن حل مشكلة زوجته وهناك امرأة اعتادت أن تدافع عن نفسها لأن أحدا لم يحمها وهناك رجل تعلم أن يخفي احتياجه حتى لا يبدو ضعيفا وهناك من نشأ بين أبوين متفاهمين فتعلم أن الخلاف لا يعني نهاية العلاقة وهناك من شاهد الصراخ والإهانة والتهديد فصار يقرأ كل اختلاف باعتباره مقدمة للهجر أو الانهيار غير أن الطفولة تفسر بعض ردود أفعالنا ولا تحكم علينا حكما نهائيا فلا يجوز أن نحولها إلى قدر لا يتغير ولا أن نستخدمها ذريعة لتبرير القسوة وإنما ينبغي أن نراها بداية لفهم أنفسنا وتعلم طرق أكثر نضجا في التعامل مع الآخرين
وحين تتساءل المرأة لماذا يغضب الرجل من نقد بسيط أو لماذا ينسحب حين يشعر بأنه غير قادر على تلبية طلباتها فقد يكون من المفيد أن ترى ما وراء الموقف فقد يسمع الرجل في بعض صور النقد رسالة أعمق مما قيل له في اللحظة نفسها فيسمع أنه غير كفء أو أنه لا يصلح زوجا أو أنه فقد احترام من يحبها وربما كان هذا التأويل غير عادل لكنه يصبح أكثر احتمالا حين تكون قيمته الذاتية معلقة بالنجاح والقدرة على توفير الاحتياجات وحين يتكرر أمامه أنه مقصر أو عاجز أو لا يفهم شيئا قد لا يسمع ملاحظة عن سلوك محدد بل يشعر أن وجوده كله موضع رفض وفي المقابل ينبغي للرجل أن يفهم أن المرأة حين تنتقد تصرفا قد لا تكون بصدد إلغاء شخصه أو إنكار كل ما قدمه وإنما تحاول أن تشير إلى أمر يؤلمها أو إلى احتياج لم يجد طريقه إلى التعبير الصحيح ومن هنا يصبح الفرق كبيرا بين أن تقول له أنت لا تفعل شيئا من أجلي وبين أن تقول إنني أقدر ما تتحمله من مسؤوليات لكنني أحتاج أن أشعر بأنك قريب مني وبين أن يقول لها أنت لا يعجبك شيء وبين أن يقول أنا أشعر أحيانا أن كل ما أفعله لا يصل إليك وأريد أن أفهم ما الذي تحتاجينه مني إن تغيير اللغة لا يحل كل المشكلات لكنه يغير الطريق الذي تسير فيه المشكلات ويمنح الطرفين فرصة أن يسمعا المعنى بدلا من أن ينشغلا بالدفاع عن كرامة جرى تهديدها
والحب في جوهره ليس امتلاكا بل احتواء ولا رقابة اهتمام ولا قدرة على فرض الإرادة بل هو علاقة تتيح للإنسان أن يقترب دون أن يذوب وأن يختلف دون أن يخاف وأن يحتفظ بخصوصيته دون أن يتحول إلى غريب وأن يطلب الإندماج دون أن يصادر حرية الآخر وقد يبدو هذا التعريف سهلا في الكلمات لكنه يصبح أكثر تعقيدا حين تدخل الغيرة العمياء إلى العلاقة بجفاء فالمرأة قد تشعر بالغيرة لأنها تخاف أن تفقد مكانتها أو لأنها مرت بتجربة خذلان أو لأنها ترى تصرفات تثير الشك وقد يشعر الرجل بالغيرة للأسباب نفسها وقد تتحول الغيرة عند أحدهما إلى مراقبة وتفتيش واستجواب دائم ومنع من العلاقات الاجتماعية والعمل وقد يتصور صاحبها أنه يمارس الحب بينما هو في الحقيقة يمارس الخوف في صورة سلطة غير أن الإنصاف يقتضي ألا نساوي بين الغيرة العمياء التي تنشأ من شكوك لا أساس لها وبين القلق الناتج عن سلوك فعلي يهدد الثقة فلكل موقف تفاصيله ولكل علاقة حدود يتفق عليها الطرفان ولا يجوز أن تتحول الحرية إلى ستار للخداع كما لا يجوز أن يتحول الخوف إلى مبرر للتحكم فالثقة لا تعني أن يتخلى الإنسان عن عقله وحدوده بل تعني أن يختار علاقة لا يحتاج فيها إلى تحويل الآخر إلى متهم دائم
وليس كل رجل قليل الكلام غامضا ولا كل امرأة كثيرة السؤال شكاكة وليس كل من طلب مساحة خاصة يخفي سرا وليس كل من أراد معرفة التفاصيل يمارس السيطرة فالسلوك الواحد قد يحمل معاني متعددة ولا يمكن الحكم عليه بمعزل عن السياق والتكرار والأثر وطريقة استجابة صاحبه حين يواجه بما يسببه للآخر فهناك فرق بين رجل يحتاج إلى بعض الوقت كي يستعيد هدوءه ورجل يستخدم الصمت عقابا لإخضاع زوجته وهناك فرق بين امرأة تحتاج إلى الطمأنينة وامرأة تجعل الطمأنينة مطلبا لا نهاية له مهما قدم الطرف الآخر من أدلة وهناك فرق بين من يضع حدودا صحية لعلاقته بأهله وبين من يتعمد قطعهم وهناك فرق بين من يحافظ على خصوصيته ومن يستخدم الخصوصية ستارا للخيانة والتلاعب ولهذا لا ينبغي أن تتحول الكتب والمقالات والبرامج والمسلسلات والافلام التي تتناول النفس الأنثوية أو النفس الذكورية إلى قوالب جاهزة نصنف بها الناس بل ينبغي أن تساعدنا على رؤية الاحتمالات وفهم الفروق وتجنب الأحكام المتسرعة.
ولعل من أكثر الأخطاء شيوعا أن نرى حياتنا الشخصية من خلال ما يقدمه الآخر أو يعرض علينا لا من خلال ذواتنا وظروفنا وشخصياتنا فليس ما يقدم دائما موافقا للحقيقة ولا مقياسا يمكن القياس عليه .
ومن الخطأ أن يتصور كل طرف أن جهده وحده هو الجهد الحقيقي وأن تعب الآخر أقل شأنا من تعبه فالرجل الذي يعود من عمله مرهقا قد لا يرى ما استنزف المرأة من تفاصيل البيت والأبناء والمهام المتكررة والضغط الذهني وقد لا ترى المرأة ما واجهه الرجل من إرهاقات أو معانات أو تهديدات أو منافسات أو تخوفات من فقدان مصدر رزقه أو شعور بالعجز أمام التزامات تتجاوز دخله أو تعدد المهمات ووجود طموحات تستدعى استنزاف فوق الطاقات.
وقد يكون كلاهما صادقا في وصف تعبه لكنه يخطئ حين يجعل تعبه دليلا على أن الآخر لم يتعب بما يكفي والعدل هنا ليس أن نقيس الألم بمسطرة واحدة بل أن نعترف بأن لكل إنسان معركته وأن الاعتراف بتعب أحدهما لا ينتقص من تعب الآخر وأن الأسرة لا ينبغي أن تكون ساحة منافسة حول من ضحى أكثر بل شراكة يتوزع فيها العبء وفقا للقدرة والظروف والاتفاق مع احترام الجهد المبذول من الطرفين.
ولا ينبغي أن نغفل عن الصورة التي صنعها المجتمع لكل من الرجل والمرأة فقد تربت أجيال من النساء على أن الصبر فضيلة وأن التضحية دليل الحب وتربت أجيال من الرجال على أن القوة تعني ألا يطلبوا المساعدة وأن النجاح يعني توفير المال مهما كانت الكلفة النفسية وأن الاعتراف بالحزن انتقاص من الرجولة وحين تلتقي هذه التصورات داخل بيت واحد قد تصبح المرأة عاجزة عن قول إنها تعبت لأنها تخشى أن تتهم بالأنانية ويصبح الرجل عاجزا عن قول إنه خائف لأنه يخشى أن يفقد احترامها ويظل كلاهما يؤدي دورا اجتماعيا لا يعبر بالضرورة عن حقيقة احتياجاته ثم يلوم الآخر لأنه لم يفهم ما لم يقله له أبدا ولا يمكن أن نحرر العلاقة من هذا الإرث إلا حين نمنح الرجل والمرأة حقهما في الإنسانية الكاملة فلا نطالب المرأة بأن تكون قوية دائما ولا الرجل بأن يكون صلبا دائما ولا نعتبر الدموع عيبا ولا الحاجة إلى الراحة ضعفا ولا نختزل قيمة أحدهما في قدرته على التحمل حتى الانهيار
إن التواصل ليس موهبة يولد بها بعض الناس ويحرم منها آخرون بل مهارة يمكن تعلمها بالتدريب والصدق والاستعداد لسماع ما لا يعجبنا ومن المهم أن يتعلم الطرفان أن يقولا ما يحتاجانه قبل أن يتحول الاحتياج إلى غضب وأن يصفا السلوك الذي آذاهما بدلا من مهاجمة شخصية الآخر وأن يختارا وقتا مناسبا للحوار وألا يحاولا حل كل مشكلات العمر في لحظة واحدة وأن يدركا أن التوقف المؤقت عن النقاش قد يكون مفيدا إذا اتفقا على العودة إليه في وقت محدد لكنه يصبح مؤذيا حين يتحول إلى هجر أو عقاب وأن اختلافهما لا يعني أن أحدهما يجب أن ينتصر دائما فهناك خلافات تحتاج إلى حل وهناك اختلافات تحتاج إلى تفاهم وهناك أمور يمكن التفاوض بشأنها وأخرى تتصل بالقيم والكرامة والسلامة ولا يجوز تجاوزها وينبغى دائما ألا يفسد الاختلاف في الرأي للود قضية . وفي جميع الأحوال لا يستطيع أحد أن يقرأ عقل الآخر قراءة كاملة ولا ينبغي أن يجعل الحب امتحانا يطلب فيه من الشريك أن يخمن ما لم يقله ثم يعاقب إذا أخطأ في التخمين
ولهذا فإن الحديث بين الزوجين ينبغي أن يكون صريحا وأولا بأول لا بعد تراكم الاوجاع فينبغي أن يتحدث الزوجين معا عن المعيشة والإنفاق والعمل والسكن والأبناء وتوزيع المسؤوليات والعلاقة بالأهل والخصوصية والغيرة وحدود التواصل مع الآخرين والدين والقيم والمرض والعجز والطموح وكيفية التعامل مع الخلاف وما الذي يعده كل منهما خيانة وما الذي يحتاج إليه حين يغضب وكيف يعتذر حين يخطئ وما الذي لا يستطيع التعايش معه فالأسئلة الصعبة التي تطرح بشكل مباشر وصريح بينهما قد توفر ألما كبيرا .
والمقصود هنا ليس أن تتعلم المرأة كيف تحتمل الرجل مهما فعل ولا أن يتعلم الرجل كيف يرضي المرأة مهما طلبت وإنما أن يتعلم كل منهما كيف يرى الإنسان الذي أمامه دون أن يظلمه وأن يفهم أسباب السلوك دون أن يؤزى وأن يرحم ضعف الآخر دون أن يسمح بانتهاك كرامته وأن يراجع أخطاءه بموضوعية دون أن يتحول إلى متهم أو ضحية وأن يعرف حقه دون أن يسلب حق شريكه .
فالمرأة التي تبدو قوية قد تخفي خوفا من الخذلان والرجل الذي يبدو صلبا قد يخفي خوفا من الفشل والمرأة التي تكثر من الأسئلة قد تبحث عن طمأنينة لم تعرفها والرجل الذي يقلل من الكلام قد يكون عاجزا عن ترتيب مشاعره والمرأة التي تسعى إلى الاستقلال قد تكون قد سئمت الاعتماد على من خذلوها والرجل الذي يبالغ في السيطرة قد يكون أسير خوف لم يتعلم مواجهته والمرأة التي تبتعد قد تكون تحاول حماية نفسها والرجل الذي ينسحب قد يكون يحاول تجنب قول كلام يندم عليه لكن هذه كلها احتمالات وليست أحكاما نهائية ولا يجوز أن نستخدمها لتبرير كل تصرف أو تفسير كل شخص من بعيد فالمعرفة الحقيقية تبدأ بالسؤال لا بالافتراض وبالإنصات لا بإسقاط تجاربنا السابقة على الآخرين
فنكون كمن يلسع من الشوربة فينفخ فى الزبادى
وما لا تقوله النساء قد يكون أحيانا أنها لم تعد تريد أن تطلب الاهتمام لأنها تعبت من تكرار الطلب
وما لا يقوله الرجال قد يكون أنهم تعبوا من الشعور بأن قيمتهم مرهونة بما يقدمونه وأنهم يخشون أن يعترفوا بعجزهم فيفقدوا مكانتهم في عيون من يحبون
وقد يكون ما لا يقوله الطرفان أنهما لا يريدان الانتصار على بعضهما بقدر ما يريدان أن يتوقف الألم وأن يشعر كل منهما بأن وجوده مفهوم وأن جهده مرئي وأن صوته لا يضيع في ضجيج الاتهامات وربما كان أصعب ما في العلاقات أن الإنسان لا يريد دائما أن يشرح نفسه لكنه في الوقت نفسه يتألم حين لا يفهمه أحد فينتظر من الآخر أن يكتشف ما يخفيه دون أن يبوح به ثم يغضب لأنه لم يفعل وكأن الحب قدرة خارقة على قراءة الأفكار لا علاقة بشرية تحتاج إلى كلمات واضحة وشجاعة متبادلة
إننا لا نحتاج إلى امرأة مثالية لا تغضب ولا تخطئ ولا تتعب
ولا إلى رجل مثالي لا يضعف ولا يتردد ولا يفشل
بل نحتاج إلى إنسان صادق يعرف أن الحب لا يعفيه من التعلم وأن المسؤولية لا تسقط حقه في الراحة وأن الحرية لا تسقط واجبه في الوفاء وأن الماضي قد يفسر بعض مخاوفه لكنه لا يبيح له إيذاء من يحب أو تحميلة فاتورة غيرة وأن الاعتذار ليس هزيمة وأن الرحمة ليست ضعفا وأن الكرامة ليست عنادا وأن التفاهم لا يعني أن يتطابق الطرفان في كل شيء بل أن يختلفا دون أن يتحول الاختلاف إلى حرب على قيمة أحدهما
وحين نريد أن نفهم المرأة علينا ألا نسأل فقط لماذا تفعل هذا بل أن نسأل ماذا حدث لها وماذا تحتاج وماذا تفهم من تصرفاتنا وماذا تخشى أن تخسره
وحين نريد أن نفهم الرجل علينا ألا نسأل فقط لماذا يصمت أو يغضب أو ينسحب بل أن نسأل ما الذي يحاول حمايته وما الذي يعجز عن قوله وما الذي يفهمه من كلماتنا وما الذي يخشى أن نعجز عن مسامحته عليه غير أن السؤال ينبغي أن يظل مفتوحا حتى يجيب صاحبه فلا نصادر صوت المرأة باسم معرفتنا بطبيعتها ولا نصادر صوت الرجل باسم فهمنا لشخصيته ولا نضع الكلمات في أفواه الناس ثم نحاسبهم على ما افترضناه فيهم
فالحب الحقيقي ليس أن نعرف كل شيء عن الآخر قبل أن يتكلم بل أن نمنحه الأمان الكافي كي يتكلم وليس أن نتفق في كل شيء بل أن نختلف بحب دون أن نهدد بعضنا بالفقد وليس أن نمنع الألم عن العلاقة تماما فذلك مستحيل بل أن نتعلم كيف لا نحول الألم إلى سلاح وكيف لا نجعل من أخطاء الماضي حكما أبديا وكيف لا نستخدم احتياجاتنا لتبرير إلغاء احتياجات الآخر
إن الحب أمانة قلب لا استباحه وشراكة لا ساحة محاكمة ومساحة ينمو فيها الإنسان لا قفصا يتعلم فيه كيف يخفي نفسه كي يبقى مقبولا
وربما تكون الإجابة الأصدق عن سؤال ما لا تقوله النساء وما لا يقوله الرجال ؟
أن النساء لا يحملن سرا واحدا كما لا يحمل الرجال سرا واحدا وإنما يحمل كل إنسان في داخله حكاية ربما لم يجد لغتها بعد مع شريكه وخوفا لم يتعلم كيف يسميه واحتياجا يخشى أن يطلبه وجرحا لا يريد أن يعترف بأنه ما زال يؤلمه ولهذا فإن أول طريق الفهم ليس أن نكتب للمرأة ما تشعر به ولا أن نشرح للرجل ما يجب أن يكون عليه بل أن نترك لكل منهما مساحة يقول فيها حقيقته ثم نصغي دون سخرية أو استعلاء أو رغبة في الانتصار فحين تفهم المرأة أن الرجل قد يتعب دون أن يتكلم وحين يفهم الرجل أن المرأة قد تتألم دون أن تجد الكلمات المناسبة وحين يدرك كلاهما أن التعب لا يلغي الحب وأن الحب لا يبرر الإهمال وأن الفهم لا يبرر الأذى وأن الرحمة لا تعني قبول الإهانة عندئذ فقط يمكن أن تتراجع المسافة بين قلبين وأن يصبح البيت مكانا لا يضطر فيه أحدهما إلى تمثيل القوة ولا تضطر فيه الأخرى إلى التظاهر بالاكتفاء وأن يجدا معا أن أجمل ما يمكن أن يقدمه الإنسان لمن يحب ليس وعدا بأنه لن يخطئ أبدا بل عهدا بأنه لن يتوقف عن الإصغاء والمراجعة والإصلاح وأنه حين يعجز عن الفهم لن يتظاهر بأنه يعرف وحين يخطئ لن يجعل كرامته أكبر من اعتذاره وحين يتألم لن يحول ألمه إلى سكين يطعن بها الآخر وحين يحب لن يجعل الحب حجة لامتلاك من يحب بل سببا لأن يحترمه أكثر
فليس السؤال في النهاية ماذا تخفي المرأة عن الرجل ولا ماذا يخفي الرجل عن المرأة ؟
وإنما هل خلق كل منهما في قلب الآخر مساحة آمنة للحقيقة وهل استطاعا أن يفهما أن خلف كل تصرف إنسانا قد يكون أضعف مما يبدو وأقوى مما نظن وأن وراء كل صمت حكاية لا نعرفها وأن وراء كل غضب احتمالات لا يجوز أن نحسمها قبل أن نسمع وأن العلاقة التي تنجو ليست تلك التي لا تعرف الخلاف بل تلك التي لا تسمح للخلاف أن يمحو إنسانيتهما ولا احترامها لبعضهما .
وأن أعظم انتصار يحققه رجل وامرأة ليس أن يثبت أحدهما أنه كان على حق بل أن يخرجا من خلافهما وهما أكثر قدرة على فهم بعضهما وأكثر صدقا مع نفسيهما وأكثر حرصا على ألا يتحول الحب الذي جمعهما يوما إلى دليل إدانة يتبادلان به الاتهام حتى ينسيا لماذا اختارا البقاء معا منذ البداية.
![]()
