...

يا أبي

يونيو 24, 2025
Img 20250624 wa0049

الكاتبة منال ربيعي 

 

لقد مضى ألفٌ وأربعمائة وخمسة وثلاثون يومًا، وثلاث وعشرون ساعة على رحيلك.

وكل ثانية في هذا العداد كانت غيابًا لا يُحتمل، واشتياقًا لا ينتهي، وكأنّ قلبي مذ غبتَ وهو يئنّ بهدوء لا يسمعه أحد سواي.

 

رحلت، ولم تكن حياتك ربيعًا كما أراد لك اسمك.

كانت شتاءً قاسيًا لفّك بالبرد والخذلان، وصيفًا حارقًا مليئًا بالركض والصراعات، وخريفًا سقطت فيه أوراق الأمل واحدةً تلو الأخرى.

لكن مع ذلك، كنتَ لي الربيع كلّه.

كنت زهري وأملي ومأمني. كنتَ الاسم الذي يحمله قلبي لا فمي، والظل الذي احتميتُ به من كل ريح.

 

أنا “ربيعي”…

لا أقولها صدفة، بل لأنّك كنتَ لي ربيعًا لا ينتهي، كنتَ الحنان في هيئة رجل، والأمان حين تنكسر الدنيا، والضحكة التي تسند القلب قبل العين.

 

عشتُ ثلاثين عامًا فتاة أبي، مدللته، روحه التي تمشي أمامه.

أقول “أبي” وألمس شامة أنفي، تلك التي ورثتُها عنك، كما ورثتُ الكبرياء الصامت، وعزة النفس، وشموخ الروح.

 

كنتَ تقول لي دائمًا: “ارفعي رأسك… من يُولد من رحم النور لا ينكسر”.علمتني أن أكون مقاتلة، لا أتوارى خلف الدموع، أن أنهض، أن أواجه، أن أكتب دون خوف…

 

كنتَ أول دفاتري، كتبتُك قبل أن أكتب اسمي. كنتَ أحلامي، وأول أسئلتي، وأول من سمع دهشتي. كنت حياتي… وكأنني لم أعرف الدنيا إلا من خلالك.

 

أتذكّر صباح أول يوم دراسي، حين كويتَ لي ملابسي، وقلت لأمي: “مشّطي لها شعرها كما كانت الملكات يُمشطن”،

ثم رتّبتَ أقلامي وكتبي، وربطت شريط حقيبتي، وأمسكت بيدي، لا كأبٍ يأخذ ابنته إلى المدرسة، بل كأنه يودّع جزءًا من روحه.

 

حين رأيتُ البنات يبكين من الخوف، التفتَّ إليَّ وقلتَ: “لا تخافي… أنا سأعود”، وكان وعدك دائمًا صادقًا.

 

أتذكر كيف أمسكتَ بيدي وأنا أكتب أول حرف لي، كيف هدهدتَ يدي المرتجفة بكفك الحانية، وقلت لي: “اكتبي بثبات، ما تكتبينه هو أنتِ… فلا تدعيكِ اليد ترتعش”.

كانت كلماتك دستورًا في قلبي، كنت تقول إنّ الحروف لها ظل، ومن يكتبها لا بد أن يملأها بالصدق. أتذكّر صوتك، ضحكتك، دفء ذراعيك حين تضمني، طريقة لمس أصابعك لكفّي حين كنتُ مريضة،

عيونك التي كانت تخاف عليّ أكثر مما أخاف على نفسي، نظرتك التي كنت أقرأ فيها كل دعواتك دون أن تنطق بها.كنت نجمي حين أضيع، وصوتي حين أصمت، وقلبي حين يضعف.

كنت أمانًا يمشي على الأرض، وكنت نورًا لا يغيب. لم نفترق، صدقًا لم نفترق.أنا أشعر بك كل ليلة…

 يشتد البرد أتحسس بطني وأشعر بيدك تدثرني،  أتعب أسمع ضحكتك تخفف عني،

 أنجح أبحث عن نظرتك… التي كانت تقول لي “أنا فخور بك”، حتى دون أن تنطق.

 

أحفظ عهدك، يا أبي، أتذكّر جيدًا دموعك حين نُودي باسمي واسمك معًا يوم نلتُ الماجستير،

كنت فخورًا بي كما لم أكن فخورة بنفسي،وها أنا أكتب كما علّمتني، أكتب كل شيء كما أشعر به، لا كما يُقال لي أن أكتبه.

 

أنت من قال لي يومًا:

“من لا يكتب من قلبه، فلا يكتب”،

وها أنا يا أبي أكتبك من القلب، من عمق هذا الفقد،

أكتبك بكل ما في الحنين من مرارة،

وبكل ما في الذكرى من حلاوة.

 

كنت كما أردتني، قوية، طموحة، صادقة، لا أجيد الزيف،

لكنني أضعف كلما تذكرتك.

أشتاق إليك كما لا يُوصف الاشتياق،

فمهلًا… لا تبتعد كثيرًا.

 الحلم، في الدعاء، في نسائم الليل، في رائحة القهوة، روحي… كما كنت دومًا.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *