كتب: حسين العلي
الحياة أرجوحة، قالها : الفيلسوف الألماني ارثر شوبنهاور كمن يختزل سرّ الوجود في لقطة عابرة، تتأرجح بين قطبين: الألم والملل. ربما تبدو هذه الرؤية متشائمة في ظاهرها، لكنها تفتح بابًا عميقًا للتأمل في طبيعة ما نعيشه كل يوم، بين شغف البدايات ومرارة النهايات، بين توقٍ لا يتحقق وهدوءٍ يقتل.
نولد صغاراً لا ندري ما الحياة، فنتعلق بكل ما يلمع أمامنا، ونسعى إلى المزيد. في البداية، يبدو العالم واعداً. نركض، نحلم، ونملأ قلوبنا بأماني لا تنتهي. لكن سرعان ما تبدأ الأرجوحة بالميل، نتعلّم أن ما نريده لا يأتي بسهولة، وأن كل رغبة تتحقق تُخلف خلفها فراغاً جديداً.
في حركتها الدائمة، لا تعرف الأرجوحة استقرارًا. فما إن نرتفع في لحظة فرح، حتى نبدأ الانحدار نحو لحظة ألم. وما إن نشعر أننا وصلنا إلى ذروة المعنى، حتى يباغتنا سؤال: “ثم ماذا؟”. هكذا نكتشف أننا لسنا في طريق مستقيم نحو السعادة، بل في دائرة تتكرر، في لعبة يتعاقب فيها الضوء والظل.
لكن هل في هذه الأرجحة عبث؟
ربما لا. فكما أن الأرجوحة لا تتحرك إلا بتوازن بين الطرفين، فإن حياتنا لا تكتمل إلا عندما نعي أن الفرح ليس نهاية، كما أن الحزن ليس هاوية. الأرجوحة تعلمنا الاتزان. أن نعلو برفق، ونهبط بكرامة. أن نتمسّك بالحبل، لا لنمنع التأرجح، بل لنحتويه.
ما يجعل الأرجوحة جميلة ليس ثباتها، بل حركتها. الطفل لا يضحك لأنه توقف، بل لأنه ارتفع وهبط وشعر بالرياح تلعب بشَعره. كذلك نحن: لسنا بحاجة لحياة ساكنة، بل لروح تتقبل التأرجح، وتتعلّم منه.
قد تكون الحياة أرجوحة بين الألم والملل كما قال شوبنهاور،
لكن بإمكاننا أن نضيف إلى هذه الأرجوحة شيئًا آخر: المعنى.
والمعنى هو ما نصنعه حين نقرر أن لا نكون ضحايا الحركة، بل شركاء في إيقاعها.
وربما كانت مأساة الإنسان الحقيقية، كما رآها شوبنهاور، أنه يدرك. أن لديه الوعي الكافي ليرى الأرجوحة من علٍ، ويشعر بها في كل حركة. الحيوان “أجلكم الله” يتألم، نعم، لكنه لا يتأمل ألمه. أما الإنسان، فله حصة مضاعفة من الوجع، لأنه يُحسّ ويُدرك، ويتذكر ويتوقع. يعيش الألم مرتين: حين يحدث، وحين يُفكر فيه.
لكن الإنسان، في هشاشته، لم يكن ضعيفًا بالكامل. هو وحده من استطاع تحويل التأرجح إلى معنى، والسقوط إلى حكمة. من رحم الملل اخترع الفن، ومن عمق الألم كتب الشعر، ومن خيباته بنى مدناً من التأمل.
الحياة لا تستقرّ، لأننا لا نستقر. نحن نتبدل مع كل لحظة، نُعيد تشكيل أنفسنا أمام كل تجربة. وكل مرة نظنّ فيها أننا فهمنا اللعبة، تتغير قواعدها. ولعلّ في هذا ما يحفظ للنفس إنسانيتها: أن تظلّ في حالة سؤال، أن تعرف أنّ الثبات سراب، وأنّ في كل انحدار بداية صعود جديد، وإن بدا أحيانًا وهميًا أو مؤجلًا.
إننا لا نملك وقف الأرجوحة، ولا التحكم الكامل في اتجاهها. لكننا نملك ما هو أعمق من ذلك: طريقة النظر إليها. البعض يراها عذابًا، فيسقط منهكًا قبل أن تكتمل الجولة. وآخرون يختارون أن يتأملوا في انحناءاتها، أن يتعلموا منها الاتزان، أن يستثمروا لحظات السكون القصير فيها ليعيدوا ترتيب فوضاهم الداخلية.
نحن لسنا في رحلة نحو نهاية مؤكدة فحسب، بل نحن في تجربة مستمرة لإدراك الذات، ومصالحتها، وفهم موقعها في هذه الأرجوحة الكبيرة.
ولعلّ أصدق ما يمكن أن نقوله لأنفسنا وسط هذه الحركة المتكررة:
لا تخشَ التأرجح، بل خَف أن لا تتعلّم منه شيئًا.
![]()
