الكاتبة منال ربيعي
تُسيطر رائحة الفانيليا على الأجواء، وتزاحمها روائح الورد على استحياء، كأنّهما يتناجيان في صمت، ويهمسان لقلبي ببشارة قريبة. مزيجٌ عجيبٌ يفوح، يكاد يزكم أنفي، لكنه لا يؤذيني، بل يأخذني ويأسرني، يدعوني إلى ذكرى… أو حلم.
لا، لم تكن رائحة واقعية، بل كانت أجواء حلمٍ فسيحٍ، أيقظني برفق لأصنع “طعام الفَرحة”، ذاك الطبق الذي لا يُذكَر اسمه إلا ويقترن بفرحة، أو بُشرى، أو نذرٍ يتحقّق؛ وعلى أثره تتفجّر السعادة وتغمر القلب وتفيض.
ما من شيءٍ أجمل منه للتعبير عن الفرح في أيّامي.
نعم، إنه الأرز باللبن، ذاك الطبق الأبيض كالصفاء، السلس كالحُبّ، الدافئ كحضن أمّ، الذي يذيب جدار التعب، ويُرمّم شقوق الروح.
قمتُ أعقِص شعري الكستنائي كأنني أتهيّأ لطقسٍ مقدّس؛ فيه تتّحد النار بالحليب، ويسكن الأرز حضنه الطري. وضعتُ طنجرة فضية، وسكبتُ فيها الحليب المثلج، وأشعلتُ النار تحته. أخذ يدفأ رويدًا رويدًا، وعيوني تتابعه بمحبة الأمّ لطفلها النائم.
أضفتُ كوبًا من الأرز المصري، ذاك الذي كبر تحت شمس النيل، مع لترٍ من الحليب ورشةٍ خفيفة من الملح، وتركته على نارٍ هادئة، يطهو، ويمتزج، ويتعشّق، حتى لا يعود الحليب حليبًا، ولا الأرز أرزًا، بل يصيرا مزيجًا ساحرًا، كأنهما روحان اتّحدتا في لحظة عشق.
تبدأ الرائحة في البزوغ شيئًا فشيئًا، فيعلو البخار كدعوةٍ سماوية، فأُضيف السكر، والفانيليا، ثم قليلًا من ماء الورد، كما كانت تفعل جدّتي، رحمها الله. نكهات ارتبطت في ذاكرتي بهذا الطبق، فكلما شممتها، أضاء قلبي ضوءٌ خافت، وأعادني إلى لحظاتٍ ظننتها مضت بلا رجعة.
أسكب الأرز في أطباقٍ صغيرة، وحين يبرد، أزيّنه بجوز الهند الأبيض كثلج الحكايات، والفستق بلونه الزمردي، وأوراق الورد الجافة التي تشبه خُطى الفرح حين يطرق الأبواب.
فيصبح طعمه كغيمات من السعادة، تطوف في القلب وتلامس الروح، وتحمل معها دعواتٍ لم تُنطق، وأحلامًا لم تُنسَ، وحنينًا لمن أحببناهم ذات عيد.
أُحبّ أن أطهو هذا الطبق وأنا فرِحة، ليحمل طعمه نكهة الفرح ذاته. يضحك الطبق في وجهي، يبادلني سروره، وكأن بيننا عهدًا خفيًّا ألا يُطهى إلا بيدٍ سعيدة، وقلبٍ يعرف كيف يزرع البهجة.
ولا عجب أنّه كان حلوى الأفراح والمسرّات؛ فكل ما فيه يُبهج القلب، من عبيره إلى ملمسه، من طراوته إلى وهجه الأبيض البهيّ. هو طعامٌ لا نأكله فحسب، بل نتماهى معه، ننتشي، ونفرح، ونُسافر عبره إلى طفولتنا، إلى أعراسنا، إلى لحظة أول بشرى، حين كانت الفرحة صغيرة… لكنها كافية لتغمر العمر كلّه.
![]()
