...
D9dce177 bb2f 46f5 9bed 50ed1dba3513

بقلم/حسين العلي

الثقافة المعرفية ليست علمًا يُكتسب، بل ضرورة يُرتكز عليها في بناء العقل، ومفتاحٌ يُفتح به باب الفهم الصحيح للحياة والوجود، وهي موردُ الفكر، ومنبعُ الوعي، وسُلمُ الرقيّ، وسلاحُ الإدراك في زمنٍ تتسارع فيه الأحداث وتتشابك فيه المفاهيم.

ولأنها أوسع من أن تُحصر في تخصص، وأعمق من أن تُقاس بشهادة، فإنها ثمرة تراكمٍ لا لحظةَ انبهار، وناتجة عن تغذيةٍ دائمة للذهن، ومجاهدةٍ مستمرةٍ للنفس في طلب الحقيقة والتمحيص في المعنى.

وإذا كانت اللغة وسيلة التعبير، فإن الثقافة محتوى القول، وهي التي تمنح للكلمات وزنًا، وللعبارات بريقًا، وللخطاب عمقًا، فلا يُنتفع من طلاقة اللسان دون حكمة، ولا من كثرة الحديث دون أساس معرفي.

وقد سُئل الحسن البصري عن العلم، فقال: “هو نورٌ يُقذَف في القلب”، وهذا النور لا يُرى إلا إذا انفتحت النوافذ، واشتدت الحاجة إليه، وتكرّر الطرق على أبواب المعرفة.

ولما كانت الثقافة المعرفية لا تُؤخذ بالسماع وحده، كان لا بد لطالبها أن يخوض غمار البحث، ويقطع مسالك التوثيق، ويتتبع الأصول قبل الفروع، ويعود إلى المصادر قبل المختصرات، فإنما يُبنى الفكر من الجذور لا من القشور.

وقد قال الله تعالى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [الزمر: 9] فلا تساوي بين صاحب الوعي ومن حُرِمَه، ولا عدل بين من سعى لمعرفة الأمور على حقيقتها وبين من وقف على سطحها.

إن أول طريق الثقافة هو السؤال، والسؤال يدل على وعي، والعقل يزداد نماءً بكثرة الاستفهام، ولا حياء في طلب الفهم، فالفكر الواعي لا يخشى التصويب، بل يسعى إليه.

وتتطلب الثقافة المعرفية أدواتٍ منها: القراءة المنتظمة، والنقاش الهادئ، والتأمل في المواقف، والتدرّب على المقارنة، والحرص على تتبع التفاصيل، وفوق كل ذلك: الرغبة الصادقة في التعلم، والنية الطيبة في العمل بما يُتعلَّم.

وقد قيل: “إذا أردت أن تكون مثقفًا، فاقرأ كل يوم شيئًا جديدًا، واسأل عن كل قديم، ولا تتوقف عند ما أعطاكه معلم أو سطر في كتاب.” فالمعرفة لا سقف لها، والعقل كلما أخذ ازداد حاجةً، وكلما فكر ازداد طلبًا.

وإذا كانت الثقافات تتنوع وتتشعب، فإن الثقافة المعرفية الحقيقية هي التي تجمع بين الثبات والانفتاح، بين الفهم للأصل، والانفتاح على المختلف، دون ذوبان ولا تعصب، فهي كما قال الجاحظ: “المعرفة عقلٌ مشحون، ولسانٌ موزون، وروحٌ مفتوحة على الزمان.”

فعلى من أراد أن يثري ثقافته أن يُدرّب نفسه على الصبر في المطالعة، والإنصاف في الحوار، والتواضع أمام من سبقوه، والتجرد في استقبال الفكرة، حتى لو خالفته، فالعقل لا يُنمّى بالمديح بل بالتحدي، والمعرفة لا تتسع بالانغلاق بل بالانفتاح المُنضبط.

ومن أهم ما يضمن ترسيخ الثقافة المعرفية: الكتابة، فهي تحفظ المعلومة، وتختبر الفهم، وتنظّم الفوضى، وتكشف مواطن النقص، فمن كتب فقد قرأ مرتين، ومن راجع ما كتب فقد نضج فكرًا.

وإذا أراد أن ينتفع بها وينفع غيره، فعليه أن يُطوّر من أدوات عرضه، وأن يُحسّن لغته، ويُهذّب خطابه، ويُراعي أحوال السامعين والقراء، فإن البيان مِفتاحُ التأثير.

بهذا يُبنى المثقف لا بكثرة المعلومات بل بحسن ترتيبها، ولا بغرابة المصطلحات بل بعمق الدلالة، ولا بكثرة الادعاء بل بصدق الالتزام.

وستبقى الثقافة زاد الإنسان في وحدته، وسلاحه في معترك الفكر، ومصدر توازنه في زمن الفوضى، ومنارةً يهتدي بها وسط العتمة.

ومن أراد أن يكون مثقفًا بحق، فليبدأ من نفسه، وليقرأ كثيرًا، ويفكر مليًّا، ويسأل بذكاء، ويكتب بصدق، ويحاور بتواضع، ويسير في طريقٍ لا نهاية له إلا عند أول خطوة في الجهل.

وكل عقلٍ لا يُغذى يموت، وكل فكر لا يُجدد يصدأ، وكل ثقافة لا تُثمر في السلوك تذبل وتموت.فاحرص على أن تُثمر معرفتك، وأن تنعكس على من حولك، وأن تكون زادًا لمن بعدك، فهكذا تُخلّد الأفكار، وتُبنى الحضارات.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *