...
Img 20250709 wa0006

 

الكاتبة منال ربيعي

 

لم أعتزل العالم…لكني صرتُ أراه من بعيد؛ كأنني جالسة على حافة الزمن، أُراقبُ المارّين وهم يركضون، ولا أركض. لم أعدْ أنتظرُ شيئًا، ولا أخافُ شيئًا، وكأنني وضعتُ قلبي على حجرٍ بارد، وسكنت.

 

كان كل شيءٍ يبدو طبيعيًا من الخارج: أُعدّ الطعام، أرتّب الغرف، أبتسم في المناسبات، وأُغلق النوافذ إذا هبّت الريح. لكنني كنتُ أغيبُ كل مساء…ليس بالنوم، بل بذلك الغيابِ الصافي، حين ينطفئ كل شيء، ويبقى وجهٌ واحدٌ في قلبي، يُنادَى به دون صوت: هل أنتِ هنا؟ فأُجيبه كلّ مرّة: أنا هنا، وإن لم أعد أعرف مَن أنا.

 

أحيانًا أبكي دون سبب، وأحيانًا أضحك لأن شعاعًا صغيرًا دخل من الشباك، فلامس قلبي. أُحبّ لحظاتِ الماء حين يسيل على يدي، ولحظاتِ الضوء حين يمسحُ جدارَ الغرفة. أشعرُ أنني أتوضّأ من الداخل، كلّما نظرتُ إلى السماء.

 

أنا لستُ زاهدةً، ولا متصوّفةً، ولا ناسكة. أنا فقط امرأةٌ عاديةٌ جدًا، أحبّت ربّها بصمت، حتى ذاب الكلامُ من لسانها. لم أطلبْ شيئًا، ولم أعُدْ أحتاجُ إلى شرحِ نفسي. أنا فقط…أُحب، وأسكن، وأنتظر أن تُفتح لي الأبواب التي لا تُفتحُ إلا بالحنين.

 

يا من ملأت قلبي حتى ضاق عن الدنيا، ووسّعتَ صدري حتى لم أعُدْ أطيق إلا أن أراك…ما عدتُ أطلبُ منك سوى أن تُبقيني في هذا السكون، سكونك الذي يُشبه حضنك، والذي كلّما سكن، اشتدّ عمقُه فيّ.

 

يا من علّمتني كيف أُحبُّ دون أن أُظهر، وكيف أشتاقُ دون أن أُسمّي، وكيف أكونُ حاضرةً وأنا غائبةٌ عن كلِّ شيءٍ إلاك…اجعلني ظلًّا يمشي في رضاك، وهبْ لي قلبًا لا يرتجفُ إلا حين يُذكر اسمُك. علّمني كيف أنسى كلَّ شيءٍ في حضرتك، حتى لا يبقى في قلبي غيرُك… لا صوت، لا طيف، لا رجاء.

 

كلّما أغلقتُ بابًا من أبوابِ الدنيا، فُتح لي فيك بابٌ لم أكن أعلم أنه موجود. وكلّما قلتُ: انتهيت، سمعتُك تقول: بل بدأتِ الآن.

 

فخُذني كما أنا: امرأةٌ من تعب، امرأةٌ من حنين، امرأةٌ ما عادت تملكُ إلا يدًا مرفوعة، وقلبًا مذابًا في اسمك.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *