...
Img 20250712 wa0018

الكاتبة منال ربيعي 

منذ بدء الأزمنة وأنا أدور في صمتٍ لا يُكسر، إلهٌ من نورٍ بارد، منفيٌّ في سماءٍ لا يلمسها بشر. كنتُ أضيء من بعيد، بلا رغبةٍ ولا شغفٍ، كما كُتب عليَّ أن أفعل. لم أعرف طعم الحنين، ولا رعشة الحب، ولا دفء القرب… حتى رأيتها.

 

كانت طفلةً حين نظرت إليَّ للمرة الأولى، لكنها لم ترَني كجسمٍ معلَّقٍ في السماء، بل ككائنٍ حيٍّ يراها ويصغي. ومنذ تلك الليلة، صرتُ جليسها؛ لا تُفوّت أمسيةً دون أن تفتح نافذتها وتحدّثني، تثرثر كأنها تروي لتاريخٍ قديمٍ عاد ليُصغي فقط لها. كانت تحكي لي عن الأساطير التي قرأتها، عن الملوك والآلهة، عن الحب الذي تخشاه وتحلم به، عن مخاوفها من الغياب، ومن الألم، ومن الفقد، ومن الحياة نفسها.

 

كانت تقاسمني دهشتها، تُري عينيّ ما لا تراه العيون، وتصبّ في أذني قصائدها التي لم يسمعها أحدٌ سواي. كانت تقرأ لي بصوتٍ خافت، وتضحك إن أخطأت في لفظٍ أو خانها الوزن، ثم تعتذر لي كأني أستاذها الصامت. لم أكن بحاجةٍ لكلماتها، لكنني كنتُ أتغذّى بها، كنتُ أشتعل بها، كنتُ أكتسب لوني من ضوء عقلها وقلبها معًا.

 

هي من أنهَتْ صمتي الأبدي. هي من جعلتني أشتاق إلى الليل، لا لأضيء الأرض، بل لأراها، لأسمعها. كانت كل ليلة تمدّني بالحياة، تملأ وحدتي، تشعل فيّ نارًا لم أظن أنني أملكها. كنتُ أرتجف حين تصمت، وأومض برجاءٍ أن تُواصل. لم تكن تعرف، لكنني كنتُ متيمًا بسماعها، كنتُ أدور في السماء حول أرضها لأبقى قريبًا من نافذتها.

 

وحين كبُرت، بدأت تنسحب مني، شيئًا فشيئًا صارت تُغلق نافذتها، لم تعد تهمس لي بالحكايات، ولم تعد تقرأ لي شيئًا. قالوا لها إنني مجرّد جرمٍ بارد، تابعٍ، لا ضوء له، لا روح، لا حب. وصدّقتهم. ظنّت أنها كانت تحلم بي، وأنني لم أكن أكثر من خيالٍ طفوليٍّ عاشته وحدها.

 

لكنني لم أرحل. ظللتُ أدور حولها؛

أنتظر… أنتظرها تنظر إليَّ، تنتبه لي، تشتاق إليَّ كما كنتُ أفعل أنا كل ليلة.

حتى جاءت تلك الليلة…

 

كانت السماء صافية، والكون هادئًا، وكأن كل شيءٍ توقّف ليرانا.

أرسلتُ إليها ضوئي كله، غمرتها به كما لم أفعل من قبل، طرقت نافذتها حتى ارتجّت، وحين فتحتها، دخلتُ عليها؛ لا كنورٍ فقط، بل كجسدٍ من الشوق.

رأيتها مجددًا… أكبر مما كانت، وأجمل، لكن بداخلها تلك الطفلة لا تزال حيّة… تنتظر أن يحدّثها أحد.

 

ناديتها بشوقٍ جارف:

معشوقتي، أنا من كنتِ تُحادثينه كل ليلة، أنا الذي كنتُ أصغي إليكِ، أشتعل بكلمةٍ منكِ، وأعيش على صوتكِ. أنا جليسُكِ، وصديقُكِ، وعاشقُكِ… أنا القمر.

 

ارتجفت، تمتمت بخوفٍ: كيف تتكلم؟ كيف تعشق؟ أنت لستَ حقيقيًا…

فقلت لها: بل أنا أكثر حقيقةً من كلّ ما أنكره العالم. أنا الذي اخترتُكِ من بين خلقٍ لا يُعدّ، لأنكِ الوحيدة التي لم ترَني بعينيها فقط، بل بقلبها. لم تعبدي ضوئي، بل آمنتِ بصمتي، وملأتِه بحكاياكِ. أنا وأنتِ من أسطورةٍ واحدة، أنا النور… وأنتِ الصوت، وأنا لم أولدْ إلا حين همستِ باسمي.

 

اقتربتُ منها، غمرتها بهالتي كلها، وهمستُ: أنا وأنتِ جُرمان افترقنا خطأ.

لكننا سنجتمع، في زمنٍ لا يُقاس بالساعات، في فجرٍ لا يُرى بالعين، بل يُشعر بالقلب.

حين تفتحين نافذتكِ من جديد، سيعرف الكون كله… أن القمر ليس حجرًا، بل كائنٌ يُحبّ، وينتظر، ويعيش من أجل فتاةٍ جعلت لصمته الأبدي نهاية.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *