الكاتبة منة الله محمد
حين يهرب الإنسان من الناس، يجد في العزلة ملاذًا، مهربًا من الضجيج، وواحةً من السكون.
لكن… أين يذهب إن أراد الهروب من نفسه؟
سؤال يتردد في ذهني مرارًا، يطرق قلبي في صمت، ولا أجد له جوابًا.
حين يثقل البشر على الروح، حين تعلو الأصوات وتضيق الصدور، لا يجد المرء سبيلًا سوى الفرار.
يهرب إلى ركن بعيد، إلى زاوية لا تصلها الأعين ولا تعبُرها الكلمات.
يختبئ بين الجدران أو في قلب الطبيعة، علّه يجد شيئًا من الراحة.
وهناك، وسط الهدوء، يظن أنه نجا.
لكن… ماذا لو لم يكن الناس هم ما يُرهقه؟
ماذا لو كانت المعركة في داخله؟
صوت لا يهدأ، أفكار تدور كعاصفة، وذكريات تنهش سكينته كلما حاول الفرار.
كيف يهرب من ذاته، وهي تسكن فيه؟
كيف يفرّ من نفسه، وهي ترافقه في اليقظة والمنام، تُلاحقه كظلّ لا يفارقه؟
لا جدران تحميه من داخله.
لا مسافات تُطفئ ذلك الوهج المؤلم.
فالنفس تهمس له حين ينام، توقظه حين يحاول الغياب، تذكّره بما يحاول دفنه في أعماقه.
يجد نفسه في متاهة بلا خرائط، كأن الأرض ضاقت به بما رحبت، حتى لو كان على قمة جبل أو في عمق صحراء.
فكيف إذًا يهرب من نفسه؟
هل يتجاهلها؟ لكن الصوت يرتفع.
هل يُسكتها؟ لكنها نار لا تخمد.
هل يواجهها؟ لكنها مرآة لا ترحم، تكشفه حتى أمام ذاته.
ربما لا يكون الحل في الهروب…
بل في المصالحة.
أن يجلس مع ذاته، لا كخصم، بل كرفيق ضائع.
أن يسمعها دون خوف، يفهمها دون مقاومة، ويحتويها بدلًا من محاربتها.
فالهروب لا يعني دائمًا النجاة،
بل أحيانًا يكون التيه الحقيقي، والضياع بلا طريق للعودة.
وربما…
في لحظة صفاء، حين يُسدل الليل ستائره ويهدأ كل شيء،
يجلس الإنسان مع نفسه، لا ليُحاسبها أو يجلدها، بل ليسألها برفق: “ماذا يؤلمك؟”
وربما حينها فقط، تتوقف الضوضاء في داخله،
وتهمس النفس أخيرًا:
“كل ما كنت أريده… أن تسمعني.”
فبعض الطرق لا تبدأ إلا حين نكفّ عن الركض،
وبعض السلام لا يولد إلا في قلب العاصفة.
![]()
