الكاتبة منال ربيعي
أصحو كأنني أول خَلقٍ على الأرض، أفتح عينيّ على نور لا يشبه شمساً ولا قمراً، بل دفئاً يتسرّب من الداخل، من قلبٍ يزهر كما لو أنه بستانٌ في ربيع أبدي. لحظةٌ أشعر فيها أنني في حضنٍ واسع لا يضيق بي، حضن الحياة نفسها، كأن الكون كله يهمس لي: “لقد عدتِ إلى ذاتك.”
أمدّ يدي نحو الهواء، فلا أقبض شيئاً، لكنني أشعر أنني ألمس وجوهاً أحببتها، وأصواتاً غابت وما زالت تسكنني. أبتسم بلا سبب، أبكي بلا وجع، أضحك كطفلةٍ أُعطيت لعبة جديدة، ثم أسكن كأمٍ وجدت أخيراً أبناءها. إن الحب في تلك اللحظة ليس كلمةً أقولها، ولا شعوراً أستجديه، بل هو دمٌ يجري في عروقي، وهوائي الذي أتنفسه.
حين تصحو الروح، يصبح كل شيء قريباً:
الشجرة أمام باب البيت تتحول إلى أختٍ كبرى تستظل بي وتحميني.
نسمة الفجر تصير يداً حنونة تربّت على كتفي وتطمئنني أنني لست وحدي.
صوت العصافير يصبح نشيداً صغيراً يعلّمني كيف أبدأ يومي بفرح.
والطفل المارّ بجواري، بابتسامة لم تُلوّثها الأيام، كأن السماء بعثته ليقول: “لا تنسي أن تضحكي.”
وفي أعماقي، ينهض صوت قديم، صوت يشبه تراتيل معابد غابرة، يذكرني أنني من نسل النور، أنني وُلدت من دمعة إلهة قديمة بكت حباً فضيّعته الأرض. دمعة سقطت في نهرٍ بعيد فتحوّل إلى حياة. وحين أتذكر ذلك، أعرف أن كل نبضة في صدري هي استمرار لتلك الدموع المقدسة، وأن كل حنان يتدفق مني هو ميراثٌ أسطوريٌ لا ينتهي.
في صحو الروح، أعرف أنني لم أكن يوماً تائهة، بل كنت أبحث عن مرآة ترى حقيقتي. أكتشف أنني لا أفتقد أحداً، لأن كل من رحل يسكنني، وكل من أحببته صار جزءاً من هذا النبض المتدفق في داخلي. وأفهم أن السلام ليس مكاناً أصل إليه، بل مقاماً أعيشه حين أترك نفسي تنساب بلا خوف، بلا قيد.
إنها لحظة لا تشبه شيئاً إلا الامتلاء:
كأنني أنهل من بحرٍ لا ينتهي، وأزداد ارتواء كلما شربت.
كأنني أذوب في الكون وأصير هو، وأعود فأجد الكون كله قد صار أنا.
لحظةٌ أتعلم فيها أن الحب ليس شعوراً ينتظرني في قلب آخر، بل هو أنا… أنا حين أكون صافية، دافئة، ممتلئة بالنور، أُعطي بلا حساب، وأتلقى بلا طلب.
وحين تصحو الروح هكذا، أعلم أن اليوم الجديد ليس مجرد ساعاتٍ تمر، بل فرصة لأن أكون حياةً أخرى، وولادةً أخرى، وابتسامةً تُنبت أملًا في قلوب من يمرون بي.
![]()
