...
4cc9945212ef5fc93dfdf6e4bd6007af

الكاتبة منال ربيعي 

ليست الأمم مجرد حدود تُرسم على خرائط، ولا أنظمة حكم تتعاقب عبر القرون، بل هي أرواح حيّة تحفظ نفسها في ذاكرة جماعية تمتد من فجر الأسطورة حتى تفاصيل حياتنا اليومية. إنّ هذه الذاكرة ليست مخزنًا للأحداث فقط، بل هي سرّ الهوية الذي يربط الفرد بجذوره ويمنح الشعوب معناها.

 

منذ البدايات الأولى، صاغ الإنسان أساطيره ليواجه سؤال الوجود: من أين أتى؟ وإلى أين يمضي؟ كانت الأسطورة طريقته الأولى لقراءة الكون. في مصر القديمة، نسج المصريون حكاية إيزيس وأوزيريس، ليجدوا في البعث والقيامة عزاءً وطمأنينة. وفي بابل، خرج جلجامش في رحلة شاقة بحثًا عن الخلود، لتظل ملحمته شاهدة على قلق الإنسان الأبدي أمام الفناء. تلك القصص لم تكن مجرد حكايات، بل مفاتيح لفهم معنى الحياة، ورسائل عابرة للزمن.

 

ومع توالي العصور، تسرّبت هذه الأساطير إلى التقاليد الشعبية، فتجسدت في الأغاني، الأمثال، والقصص التي تُروى للأطفال. حين نحكي عن “أمنا الغولة” التي تخيف الأطفال وتختبئ في العتمة، فإننا نرى ظل الإلهة المخيفة سخمت التي كانت تحكم بالنار والدم. وحين نردد حكاية “أمنا الغولة” ونعطيها وجهاً شعبيًا ساخرًا، فإننا نخفف من رعبها، ونحوّل الأسطورة إلى لعبة تُضحك الصغار.

 

وفي الريف، حين تتناقل النساء حكاية “ست الحسن والجمال” التي تنزل من الجبل لينقذها بطل فقير، فإننا نستمع إلى صدى إيزيس الباحثة عن أوزيريس، أو إنانا الهابطة إلى العالم السفلي. إنها نفس القصة التي تعيد صياغة نفسها: امرأة تحمل سرّ الخلاص، وبطل بسيط يواجه المستحيل ليعيد التوازن.

 

حتى في الأمثال، نجد أثر الأسطورة: مثل قولهم “الحي أبقى من الميت”، الذي يُذكّرنا بجدل البقاء والفناء في ملحمة جلجامش. أو مثل “ابن الوز عوام”، الذي يحمل في باطنه حكمة النسب والدم، تمامًا كما كان الملك المصري يُقدّس نسبه إلى الإله ليؤكد شرعية حكمه.

 

اليوم، لا نزال نحيا بهذه الذاكرة دون أن نشعر؛ في أعيادنا، في طقوس الزواج، في عادات استقبال المولود، وحتى في تفاصيل المطبخ. إنّها خيوط غير مرئية تنسج انتماءنا، تجعلنا نعرف أنفسنا حين ننظر في المرآة الجمعية للشعب.

 

إن الذاكرة الجمعية ليست مجرد ماضٍ يُحكى، بل حاضر يتنفس فينا، ويمنحنا قوة الاستمرار. وإن ضاعت، ضعنا معها. لذلك علينا أن نحافظ عليها، لا كأثر يُحفظ في متحف، بل كحياة تُعاد صياغتها في قصص، في مسرح، في كتب للأطفال يعرفون بها جذورهم. فالأمم التي تتصالح مع ذاكرتها، هي الأمم التي لا يقدر الزمن أن يمحوها.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *