الكاتب المبدع محمود عبدالله
عندما أنظر بتمعن إلى ما يحدث هذه الأيام من أحداث وموضوعات وقضايا مثارة، يتخللني شعور بأن الناس من قبلنا لم يكن لهم عقول، وكأنهم لم يأبهوا بهذه الموضوعات القوية التي يتناقش فيها الناس اليوم. بل أشعر أحيانًا وكأنه لم يعش قبلنا أحد على ظهر هذا الكوكب، وأن الدنيا قد خُلقت بالأمس.
لقد ظهرت موضوعات غريبة يتناقش فيها الناس، وأسئلة لم تكن محل نقاش من قبل، نظرًا لحساسيتها، حتى إن مجرد الحديث عنها كان يُعد من الأمور التي يتحلى فيها الأشخاص بالحياء والعفة، وكان وجه الرجال والنساء يحمر إذا فُتح الكلام في هذه المنطقة الحساسة التي تُعد من الفطرية، والتي يمارسها المرء بشكل تلقائي عند سن البلوغ.
إنها موضوعات خاصة بين الزوجين، يستحي المرء أن يفتحها مع الآخرين، بل إن الحديث فيها كان يُعتبر إثمًا. فقد ضرب لنا النبي صلى الله عليه وسلم مثالًا عن الزوج والزوجة إذا تحدثا عما يحدث بينهما في العلاقة الحميمة، فقال إن ذلك كشيطان لقي شيطانه فقضى منها حاجته والناس ينظرون.
إن الحديث عن ذلك يتنافى مع الحياء والعفة وشرف النفس، وذلك بين الأزواج، فما بالك بما يحدث الآن في منشورات الفيسبوك وحالات التواصل الاجتماعي، حيث يسأل شخص عن المثيرات الجنسية ليفتح بابًا من أبواب الشيطان، ويجعل ذلك على الملأ أمام الجميع، فيدخل هذا ليعلّق وتدخل تلك لترد، ويتناول الناس هذه الأمور علانية.
وإن قلت إن هناك نهيًا عن ذلك، قيل لك: هذا للتعلم، فالناس يجهلون الكثير من الأمور عن العلاقات الحميمة. بل وتُتهم بالتخلف وعدم الوعي، وأنك بلا علم.
ولعلك لا تعلم أن معلمنا الكبير، رسول رب العالمين صلوات ربي وسلامه عليه، أتته امرأة تسأل عن الغسل من الحيض، فأخبرها كيف تغتسل وقال لها: “خذي فَرْصةً وتطهري بها”. فقالت: كيف أتطهر؟ فأعرض عنها وقال: “تطهري”. قالت: كيف؟ فقال: “سبحان الله”، فأخذتها السيدة عائشة رضي الله عنها وقالت لها: “تتبعي أثر الدم”.
ذلك هو معلمنا وقدوتنا، استحيا من الحديث في أمر كهذا مع امرأة، بعد أن أرشدها، وهي تصر على الاستفصال.
لعل هذا يجعلنا نقف ونسأل أنفسنا: هل نحن أول الخلق؟ هل الدنيا خُلقت بالأمس؟
أم أن الناس اليوم لم يعودوا يأبهون بحياء ولا إيمان ولا عفة؟
أكان أجدادك يفتحون هذه الموضوعات ويسألون عن المثيرات في العلاقة الحميمة؟
هل كانت جداتك تفعلن ذلك؟
أم أنهم كانوا يملكون العلم الذي جعله الله في عقولهم بأن تلك الأمور فطرية، يولد المرء مزودًا بها؟ وكيفما كان شكل العلاقة، كان يرضي الطرفين، لأنهم كانوا لا يتحدثون في تلك الأمور؛ لأن فتحها يفتح أبواب الشياطين والفساد في الأرض.
إن متطلبات كل شخص تختلف باختلاف الأشخاص، ولكل واحد طريقته في إشباع حاجته الجنسية، ولكن بضوابط شرعية وضعها الله سبحانه وتعالى.
كان ما يحلو للرجل يحلو للمرأة، والعكس صحيح، ويعيشون حياة أفضل مائة مرة من حياتنا اليوم، التي نرفع فيها شعارات الحريات والعلم والوعي، وهي في الحقيقة مجرد شعارات تُخرج من الناس أسوأ ما فيهم وتشيع الفواحش بينهم.
نحن في زمن لا نعلم فيه من الصالح ومن الطالح، ومن الحيي ومن مثير الفتن.
ليتنا نعلم أن الأجيال السابقة والقرون الماضية كانوا أشد علمًا وأكثر وعيًا، وكانوا أفضل مما نحن عليه الآن، وهذا أمر أجزم به.
لكن كانت لديهم أخلاق وآداب في الحديث عن تلك الأمور، والتي اختفت في زماننا هذا، فأصبحنا نتكلم بما يحلو لنا دون الالتفات إلى دين أو خلق أو أعراف وتقاليد اجتماعية.
![]()
