الكاتبة منال ربيعي
حين يشيخ الضوء، يترنّح رع على مركبه الذهبي في نهر الأفق، يجرّ خيوط النهار كأشلاء حلم يتهاوى بين يديه. السماء تشتعل بلون الدم والنار، وكأنها مسرح لمعركة أزلية بين الظلمة والنور. تتساقط الظلال على الأرض كأجنحة آلهة هَرِمة، أرهقها السعي لحماية العالم. الريح تسري ببطء، تهمس بأغنية قديمة تقول: “كل ما ظهر، سيغيب… وكل غياب وعدٌ بعودة.”
أرى رع يهبط نحو بوابات الغرب، حيث تنتظره دوات؛ تلك المتاهة الغامضة التي لا يعبرها إلا من عرف سرّ الخلود. هناك، تحت الأرض، يقف أبوبِس، الحيّة العمياء، يتربص ليبتلع مركب الشمس، لكن رع لا يموت، بل يذوب في ظلام الدوات كما تذوب قطرة في بحر. في ذلك الفناء، يكمن سرّ البعث؛ النور لا ينهزم، بل يختبئ في العدم ليولد من جديد.
وفي قلب هذا المشهد الكوني، أجدني واقفة عند حافة الغروب، ككاهنة فقدت تراتيلها، أراقب الضوء يتكسّر على صفحة النهر. لا أرى الشمس وحسب، بل أرى وجهي يذوب في قرصها الأخير، كأنني أستودعها أحلامي، مخاوفي، وكل ما عجزت عن قوله. الليل يقترب كأمّ عظيمة، تفتح ذراعيها لتحتوي ضعفي، لتقول لي بصمتها: “تعالِ، فهنا يبدأ الطريق.”
يا الله… ما أعظم رحمتك في انكسار الضوء! الغروب ليس موتاً، بل صلاة كونية، ترتّلها الأكوان في حضرة الأبد. فيه يتجلّى السرّ: لا بقاء إلا بالفناء، ولا لقاء إلا بعد غياب. أغلق عينيّ، فأسمع ماعت تتلى في الريح، وأشعر أن الظلمة ليست عدماً، بل رحم النور.
حين يشيخ الضوء، أفهم أن الليل محراب، وأن كل عتمة سلّم، وأن الطريق إليك يبدأ حين أصير ظلّاً، ثم أغيب فيك… نوراً أبدياً، كما يغيب رع في الدوات، ليشرق من جديد مع أول فجر، شاهداً على أن الخلود وعد، وأن الدوران ناموسك الأزلي.
![]()
