...
Img 20250903 wa0035

الكاتب محمد طاهر سيار الخميسي

 

من أنت أولًا؟ ما هو اسمك؟ ما هي مستوياتك العلمية والاجتماعية؟ وما هي مهاراتك وهواياتك الأدبية؟ هل أنت شاعر، أم كاتب، أم ناقد، أم مدرس نحوي أو لغوي؟ أم قارئ، أم معجب ومحب للأدب؟

لك أن تناقشني في نصوصي الأدبية التي تنزل هنا كالمطر الذي يسقي العباد، ويروي العطاشى، ويسقي البلاد، كما قلمي الذي يروي المجلات بروحه الإبداعية.

 

لا تناقشني في محادثاتي؛ لأنني أكثر شخص عجول وخطّاء في المحادثات المباشرة، حينما لا أضع لها أي اهتمام، أو أتحسب أن فيه حمقى يتتبعون العثرات في الأشياء العادية، باحثين عن الأخطاء بدلًا من الإبداع.

ولكن تجدني أكثر تواضعًا حينما أكتب، ويكون المتحدث معي من العامة؛ أحس بالتواء في عقلي وذهني، حتى تتحجر الكلمات، وأكون عاجزًا عن الحديث؛ أنسى حتى اسمي أحيانًا في لحظات الارتباك.

ألا تشعر مثلي بغفوة ذهنية، والذهاب بتفكير في أشياء وأمور أجهلها؟ كما فعلت حينما تحدثت وأنا لست مهيأً لما أقول بكل ثقة ووضوح.

 

ولما أتحدث مع أديب أريب مثلك، تأتي المفردات كما أنت تطلبها؛ تقول لك: ها أنا ذا الفصاحة التي أردتها يا صاحبي؛ لأنها أحب إليك من صاحبها أن يخطئ ويكون صغيرًا في نظرك.

ذلك على لسان الفصاحة والبلاغة، لا على لساني المتواضع.

ولكن حتى وإن كتبت بالكلام الدارج أو أخطأت، هذا شأني.

لو معك قلب، ومعك حس ووعي، أن تشغل نفسك في الأشياء الكبيرة، والأمور التي تستحق أن تجعل منك بطلًا حقيقيًا، لا بطلًا قوميًا؛ لأنك عثرت على خطأ الشاطر، وهو أنا، فكنت أنت ذلك البطل المقتنص.

 

أنا لا أعطي لهذه التفاهات أي مبالاة، ولا أعطي لها أي اهتمام، ولا أفكر فيها ذلك التفكير الذي يستحق.

ولكن كما تعلم ويعلم الجميع، لكل واحد منا هفوة، وكل واحد له ظروف لا إرادية تحدث له دون سابق إنذار.

أنا لست واقفًا لأجلك حينما تحدثت، ولا وقفت وراء شاشة هاتفي حتى أخاطبك، كنت أخاطب الجميع، ولكن لم يسعفني الوقت حتى أرتب كلامي بعناية.

فأنتم جميعكم ما كنتم من الأولويات لدي؛ لدي ما يشغلني، ومن أتحدث معه في الواقع، لا في العالم الافتراضي الذي يفتقر إلى التواصل الحقيقي.

ومرحبًا بخطأ العالم الافتراضي، وصوابًا وحسنًا صنعًا في الواقع الحقيقي، مع من كنت أتحدث معه بكل احترام وتقدير.

 

يا صديقي، إنني أثناء المحادثة، وأثناء الانشغال، لست كوقت التأليف والإنشاء وكتابة النصوص الأدبية في رواق وراحة وتفكير عميق بعين الحاذق الفهم.

وحتى أيضًا في التعليقات التي فيها مناقشة المواضيع الكبيرة التي تثير العقل، أهتم في إنشائها والكتابة عنها بشكل صحيح، يليق بالشيء، ويليق بي أنا ككاتب، والفطن يعرف ذلك.

 

ونحن أيضًا نكتب نصوصًا باللغة العربية، لكن لا نتحدث باللغة العربية دومًا، إلا حينما نقرأ فقط.

حتى أساتذتنا يعلموننا الدروس وهم يتحدثون معنا بالكلام الدارج.

 

أذكر أنه كان يقول لي: “يا حمد، قم”، بدلًا من “يا محمد، قم، امسح السبورة، اكتبوا الواجب، انزلوا عند المدير يصحح لكم واجب النحو غدًا”.

يمكن (ما أبري، يعني لن أذهب إلى المدرسة).

له مني كل التقدير.

والاحترام لا أجهله، ولكن لتطرقي للحديث عن هذا الموضوع، كما نحن متعلمون ولسنا معلمين ولا علماء، وكذلك نحن بشر ولسنا ملائكة.

 

لك أن تخبرني، أستاذي الفاضل، وإنني الآن أشعر تجاهك بالغبطة لا بالحسد، والعياذ بالله أن أحسدك على فصاحتك وطلاقتك. لك الآن أن تخبرني قبل أن يجنّ جنوني: من أين أنت؟ ومن أنت؟ أبشرٌ أم ملك؟ ألا تأكل؟ ألا تشرب؟ ألا تنام؟ ألا تتغوّط؟ أَعابدٌ طاهرٌ تذكر الله ما أمرك؟ هل أنت مختلفٌ عنّا نحن البشر؟ ألا تخطئ؟ أتصيب دومًا يا هذا؟ فأنت موهوب إذًا، والحمد لله على صفاء عقلك وتركيزك، وكأنك محيطٌ بكل شيء علمًا. أستغفر الله العظيم.

 

لك أن تتصل بي هاتفيًا الآن إن أردت، وأعدك لن أتظاهر في الحديث معك بالفصحى كما نحن نكتب بها فقط. سأتحدث معك بالكلام الذي أتكلم به، وخذ مني بدل الكاف سأبدلك شين، وبدل العين سأبدل بألف: “أبده” بدل “عبده”، و”ألي” بدل “علي”. وخذ مني كلمة وعكسها، مثل “أقلعه” بالعامية عندنا تعني “اتركه”، وفي الفصحى بمعنى “أخلعه”. لن نصل إلى حد الكفاية في اللغة العربية، ولا نحسن إتقانها في كل حياتنا. ولو رأينا أتقنوها الساسة من قبلنا، قبلهم أيضًا المدرسون والخطباء والأدباء في كلامهم وفي حياتهم، ولكن صدقني، هي معهم في حياتهم الأدبية فقط، وليست في الحياة اليومية.

 

كذّابٌ ومدّعٍ ومتفيقهٌ ومتخذيقٌ من يقول لك إنه لا يخطئ في الإملاء. يحدثني أنه درس في الجامعة، والكيبورد كان زميله! كلامٌ مستطرفٌ لم يُقل، ولكن اخترعت ذلك، وكأنه من طرائف الحمق التي نقرأها. واللغة العربية لا تفارقه، يتحدث بها مع أخيه، مع أمه، مع زوجته، مع أصدقائه، مع أحبائه! وكاذبٌ مدّعٍ مفتري من يقول لك إنه لا يخطئ، حتى وإن كان نبيًا، يخطئ ويتوب، كما آدم أخطأ وهو أبو البشرية جمعاء.

 

أنت شخصٌ رائع، وأديبٌ حصيف، أنيق القلب، لطيف الروح. لا زال كلامك الذي علّقت به عالقًا في ذهني، وكنت أود أن أكتب عنك كلامًا لأنك هامةٌ كبيرة، ورجلٌ أدبي منقطع النظير. ولكن أنهاك يا صاحبي، لا تفتح معي ثغرةً وجبهةً أدبيةً ودعابيةً لا انتهاء لها، لا سمح الله، فإني متقنٌ لمثل هذه الأشياء، ولكن في منصاتٍ غير تلك المجموعة، مجموعة عكاظ الأدبية، التي جلّها من الذين نعرفهم ويعرفونا.

 

لا تكن خصمًا ولا حكمًا أمامي، لأنك تعرف كيد الخصم والحكم. إذا أردت مجاراتي، أعدك ستغرق في بحرٍ لا يسعك، سيملأ حياتك بالخيبة والظنون. بعد قراءتك لكلامي، لا تظن أنني الآن أسيء إليك، حاشاني أن أفعل ذلك، لأنني لا أسيء حتى مع الجاهل نفسه، فما بالك بك أنت أيها اللطيف.

 

إن أردت أن تكسب ودي، فالتمس العذر لأخطائي التي لم تبت أخطاؤك، كما أنا أحتقرها على نفسي، كما إني لا أقبل الخطأ. وإن شئت، سأغرقك في نهرٍ من الكلام الأدبي الذي يعظّم شأنك عني، لأكسبك أستاذًا ومعلمًا، لا عدوًا تتجهمني. والذي أعلى مقامك وشأنك، لأنني لا أراك من الجاهلين، ولا أراك من العادين أو السلبيين.

 

وإلا، فأنا أكبر شخصٍ معاند، لمن لا يكفّ عني أو يتتبع عثراتي وزلاتي، لا تطأ به قدمٌ، سيبقى بين لومي وسخطي ما حييت. كما تعلم، في بداياتي في الكتابة، ناقدٌ سيئٌ نال وطرةً مني لكي يقلل من شأني، ويحرجني بين من هم يفتخرون بي، ولكن نال جزاءه، والذي أخزاه لم يكفّ، حتى من بعد ما جعلته بين العالمين أضحوكةً ومسبة. هههه… حتى باع بالفشل، والحمد لله، لم أجد في طريقي بعده ناقدًا سيئًا بعد أن تفرغت للكتابة. آخر ناقد كان قبل ست سنوات تقريبًا، وها هو في الزوال، لقد نقم مني، ولكن نال جزاءه، وها هو أصبح معترفًا بي أديبًا ما حييت.

 

ولكن أنت، تبدو أنك هامة، لذلك لا أريد أن أحرج منك بعد أن أعرفك من أنت. وأحرج من أصدقائي هنا، الكتاب والشعراء الذين لم أرَ منهم إلا كل طيب، وكذلك أنت. لم تقصد خطأي في المحادثة، ألا ترى إبداعي يا هذا؟ لم لا أراك تجود بما عندك من تعليقاتٍ أدبيةٍ تغفر لك عندي، وتلبسك تاجًا من الفخار؟ ولكن لأنك أنت لا تعرفني كما يجب، تجهلني، أعذرك على ذلك. وكما أنا لا زلت أجهلك، لأنني أصلًا لا أعرفك، ولكن سأفعل، حتى أتعرف عليك كما تشاء وتحب وترضى.

 

ولكن حينما تتواضع وتعرّفني عليك، سأعتذر منك، وأقول لك: كل كلامي مجرد دعابة واستطراف معك. حتى الآن، لك أن تتواضع وتأتي إلى الخاص يا صديقي، وتحدثني عنك. وأنهاك أن تظن أنني من الجاهلين، أو ممن لا يحترمون الأدباء والشعراء ومحبي اللغة العربية، كما أنني لا أزعل من النقد الذي أرى فيه خطئي. الشخص الذي يقول لي “أخطأت” أرقى من الذي يقول لي “أحسنت”. تحياتي لك، إن كنت فطنًا، ردّ بكلامٍ رائقٍ، وهو لك. لا أجهل شأنك أو علمك، ولكن لك أن تثيرني دائمًا، كلما أخطأت، سأتقبل منك، ولك أرفع القبعة طبعًا.

أعذرني، لأنني الآن في الحانة، شربت ماءً باردًا، لا خمرًا، شربت حتى ارتويت، وها أنا الآن مخزّنٌ قاتًا حجوريًا زعكريًا، لم أرَ مثله في البلاد، حتى سكرت به.

لك أن تسقيني الآن من يديك خمرًا أدبيًا من كتاباتك، أكان شعرًا أم نثرًا، لا تكسر رأسي بزجاجة الخمرة وتفسد عليّ يومي. دعني وحالي يا فتى.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *