...
Img 20250903 wa0034

الكاتب  محمد طاهر سيار الخميسي

 

في ليلة مولد النبي، تشع السماء بنور الحق، وتتزين الأرض بذكرى المبعوث رحمة للعالمين. إنها مناسبة نستذكر فيها سيرة النبي العطرة، ونستلهم منها الدروس والعبر، والاهتداء بهداية القرآن الكريم. ونستمد منها القوة والصبر في وجه التحديات والمحن، ونتعلم منها كيف نكون أمة واحدة متحابة في الله.

 

أشرق الكون بميلاد سيد الكونين، صاحب العلم والحلم والصبر والاحتمالِ والصدقِ والإيثارِ، الذي أبهر الخلق بالمعجزات؛ معجزاته تسبيح الحصى، وانشقاق القمر، ومرافقة الشجر، ولين الحجر. سجاياه فاقت حدود النفس البشرية، كل خارقة جاء بها إلى السبع الطباق كان فيها صاحب العلم، من الأرض إلى السماء، سرى ليلًا من حرم إلى حرم، في رحلة الإسراء والمعراج، كما سرى البدر في داجٍ من الظلم، بات يرقى إلى أن نال منزلة عظيمة لم ينلها أحد سواه، ملكه الله ثقة النجاح لدعوته حينما كان يقول لقريش:

“أشد ما كانوا هزءًا به يا معشر قريش، عليكم غير قليل حتى تعرفوا ما تنكرون، وتحبون ما أنتم له كارهون.”

 

وكلمته الشهيرة التي قدست نجاحه ونجاح دعوته وقوة حجته، بعد أن ساوموه أن يترك الأمر الذي جاء به، عرضوا عليه من طمع الدنيا من مال وجاه وسلطان، ولكنه لم يبع الآخرة بالدنيا، بل باع الدنيا بالآخرة:

“والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري، على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك دونه، ما تركته.”

 

حبيبي يا رسول الله، كلما تأملت في ذلك الموقف، أنبهر؛ أشعر بالفخر وبالطموح، وإني لا أتراجع في أي أمر قدمت إليه، أحسم الأمر بتذكري لكلامه النابع من القلب. لقد كان شجاع القلب، حليمًا، سمح الأخلاق، لم يزعجه أذى قومه له وازدرَوه. حينما وضعوا التراب على رأسه، وألقوا على ظهره أمعاء الشاة وسلى الجزور وهو في صلاته، بل كان يقول:

“اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون.”

 

صلى عليه الله ما فرح الأنصار بقدومه، حينما أنشدوا أنشودتهم الشهيرة:

“طلع البدر علينا…”

وما سبح الرعد بحمد الله، وما سبحت المزن بقطرات المطر، وما اكتست الدنيا بحلتها الخضراء في ربيع مولده الشريف بالجمال والنور. لقد جاء بهداية السماء إلى الأرض، وكان نورًا يضيء دروب البشرية. كان أميًّا حينما نزل عليه الوحي، حينما قال له جبريل:

“اقرأ باسم ربك الذي خلق”

فكرمه الله بعجائب القرآن الكريم.

 

نحن حينما نحتفل بذكرى مولده الشريف، لكي نستذكر سيرته العطرة، ونتبع سننه المباركة. لم يكن مولده في قلوبنا مجرد حدث عادي، بل بداية عصر جديد، وفتحًا مبينًا، ونقطة تحول في تاريخ البشرية. جاء برسالة الإسلام، ورحمة للعالمين، أخرج الدنيا من العدم، وأخرج الناس من الظلمات إلى النور، ومن الجهل إلى العلم والبصيرة.

 

في هجرته إلى المدينة، ترك مكة وراءه، وبدأت مرحلة جديدة من الدعوة والجهاد. كانت هجرته بداية لتأسيس الدولة الإسلامية، وانتشار الإسلام في ربوع الأرض. لقد لقي عناءً كبيرًا، وشدة وعظمة، حتى تشققت قدماه من الضرر ومن الورم، فإن قومه كانوا يكرهون هجرته، كما لو أنهم يشعرون بأنه طلب إلى الحق. فوضعوا عليه العيون والجواسيس، فخرج من بينهم متنكرًا، بعدما ترك في فراشه علي بن أبي طالب رضي الله عنه عبثًا بهم وتضليلًا لهم عن اللحاق به. ومشى هو وأبو بكر الصديق رضي الله عنه، يتسلقان الصخور، ويتسربان في الكهوف والأغوار، ويلوذان بأكناف الشعاب والهضاب، حتى انقطع عنهما الطلب، وتم الدين بفضل الصبر والثبات على الحق.

 

نسجت العنكبوت خيوطها الذهبية على الغار، والحمامة غطت بجناحيها وبصغارها، حتى لم يتمكن المشركون من رؤية ذلك القمر، وهو يقول لصاحبه في الغار:

“لا تحزن إن الله معنا.”

 

ما أعظمه من رجل بدوي قضى حياته تحت سقف السماوات، كما اعترف به أعداؤه بأنه أذكى وأفطن من المتمدنين الذين عاشوا تحت سقف الجامعات.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *