...
Img 20250907 wa0103

  الكاتبة منال ربيعي 

 

 

كنتُ أستدعي النوم بأفكارٍ سحرية: ماذا لو امتلكتُ آلةً تُعيدنا إلى الماضي لبضع دقائق ثم تعيدنا إلى الحاضر؟

إلى أي لحظة سأعود؟

أعلم أني سأعود إلى أوّل يومٍ تعلّمت فيه الكتابة.

 

كنتُ أجلس في حجر أبي، أحاول أن أكتب حرف الألف، لكن رأسي الصغير عجز عن رسم الهمزة. محوتها مرارًا حتى بدأ اليأس يتسرّب إلى قلبي، فجاء صوته الحنون، صافيًا وواثقًا، وهو يقول:

“الهمزة شكل صقر.”

 

أغمضتُ عيني، ورسمتُ رأس الصقر وجسده ممدودًا، فإذا بالألف تنساب جميلة بين يديّ. لم يكن خطّي سيئًا، لكنه لم يكن يومًا كخط أبي. كان يكتب وكأنه يرسم، ككاهنٍ نُسجت أصابعه للكتابة. أحرفه كانت عالمًا قائمًا بذاته؛ العين عنده عينٌ حانية، والكاف جناح يفتح لك الأفق. في يده، كل حرفٍ لوحة صغيرة يكتبها بشعوره المصاحب لمنطقه، حتى بدت كتابته صلاةً تخرج من القلب.

 

ومن عينيه تعلّمت أن العيون مرآة الروح؛ فما من عين صادقة إلا وتُفصح عن مكنونها. لذلك لم أعد أثق فيمن يعرفون كيف يُسقطون المرأة في دموعٍ مصطنعة، لأن من يتقن توقيت الدموع زائف، بينما الحقيقة تأتي عفوية كدمعةٍ لا تستأذن.

 

وأذكر أني كنت أحيانًا أغضب أو أحزن، فأتيه في كلامٍ سريع ومبعثر، فيضحك أبي حتى تظهر غمازته اليسرى، ويقول لي مهدّئًا:

“بطّلي قَرْقَرة، قولي الكلام بصوتٍ مفهوم.”

 

كنت أضحك وأسأله: “يعني إيه قرقرة؟”

فيجيب مبتسمًا: “يعني مش فاهم منك ولا كلمة.”

 

حينها أبدأ بالكلام بهدوء، ومع الأيام تعلّمت أن الاندفاع لا يبحث عن مستمعٍ يفهم، بل عن قلبٍ يسكّن روع الكلمات المبعثرة. ومن أبي تعلمت أن الصمت أحيانًا أصدق من الكلام.

 

أعود بذاكرتي إلى تلك الأحرف التي علّمني إياها: الألف، فالباء، حتى ختمنا بالياء. كانت الحروف بين يديه حكايةً مقدسة، وبين يديّ امتدادًا لها. صارت قصتي، أنا: الحالمة، المتزنة، العطوفة، التي تحمل مسؤولياتٍ قد يفرّ منها الرجال.

 

إليكَ يا أبي… كل حرفٍ كتبته يدي، وكل حلمٍ رسمته روحي، وكل دعاءٍ يخرج من فمي.

 

أنا أنثى بكيانٍ كامل، لكن بلسان أبي ومنطقه، وبقلبٍ ورثتُ منه الصلابة.

أنا البنيان الذي خطّته يد الله بمداد النيل، ذلك النهر الذي يجري في عروقي كشريان، يكتب قدري ويقودني في خطاه، فلا أخشى النهاية.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *