...
Img 20250907 wa0111

الكاتبة منة الله محمد

 

أؤمن تمامًا أنّ الإنسان يُشفى بالكلمة أكثر مما يُشفى بالدواء، وأنّ الأثقال التي تكدّسها الروح طوال أيامها لا يخفّفها شيء كما يخفّفها البوح. إنّنا لا نحتاج دومًا إلى حلولٍ معقّدة، ولا إلى معجزاتٍ خارقة، كلّ ما نحتاجه حقًا هو قلبٌ يسمعنا، أذنٌ صافية لا تقاطع ولا تُدين، ووجهٌ يتّسع لارتباكنا، ولخبطتنا، وتناقضاتنا التي نعجز أحيانًا عن فهمها بأنفسنا.

 

ما أثقل أن تحمل داخلك كلماتٍ تريد أن تُقال، وتظلّ حبيسة خوفك من أن تُساء فهمًا أو أن تُواجَه باللوم والنصائح الجاهزة!

وما أجمل أن تجد من يفتح لك باب الحكاية بلا قيد، من يمنحك إذنًا غير مكتوب أن تكون كما أنت: مرتبكًا، متعبًا، متناقضًا، ثم يكتفي أن يقول لك: أنا أفهمُكِ. 

 

الأمان الحقيقي في العلاقات لا يبدأ من كثرة الوعود، ولا من العبارات الكبيرة، بل من تلك اللحظة البسيطة التي تستطيع فيها أن تتكلّم بعفويّتك، أن تضع قلبك على الطاولة دون أن ترتّبه، أن تعبّر عمّا فيك دون أن تفكّر كثيرًا: هل سيُفهم حديثي؟ هل سأبدو ضعيفًا؟ هل سيحكم عليّ؟

الأمان هو أن تُدرك أنّك مهما تكسّرت أو تشوّشت، سيظلّ الطرف الآخر حاضرًا لك، يسمعك ويحتويك.

 

ربما لهذا السبب، حين نجد ذلك الشخص القادر على الإصغاء بصدق، نشعر وكأنّ نصف أعبائنا قد تبخّر، وربما كلها! لأنّنا ندرك حينها أنّنا لسنا وحدنا في هذه المعركة الطويلة مع الحياة، وأنّنا لا نحتاج دائمًا إلى من يُصلح خرابنا، بل يكفينا من يجلس بجوارنا، يُنصت، ويُشير بابتسامة مطمئنة أنّنا مفهومون مهما كان ما نحمله مشوّشًا أو غير مكتمل.

 

وفي النهاية… سيبقى الاستماع فنًّا لا يتقنه إلا القلوب النادرة، تلك القلوب التي لا تبحث عن إجابةٍ سريعة، بل تمنحك المساحة لتكون إنسانًا كاملًا بضعفك وقوّتك، بدموعك وضحكاتك.

ولعلّ أجمل هدية نهديها لبعضنا، هي أن نكون مأوىً صادقًا لحكاياتٍ لا يجرؤ أصحابها أن تُقال في أيّ مكانٍ آخر.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *