الكاتبة منة الله محمد
أصبحتُ أتركُ مسافةً هائلة، بيني وبين ما أُحب…
كأنني تعلّمتُ أخيرًا أنَّ القرب لا يكون دائمًا نجاة، وأنَّ الشغف مهما كان دافئًا قد يحرق إن اقتربتُ منه أكثر مما يجب. لم أعد أتماهى مع الأشياء التي تأسرني، ولا أتهاوى أمام الوجوه التي تُربكني؛ صرتُ أراقب من بعيد، كأن قلبي يقف خلف نافذة عالية، يلمس الحياة بنظره لا بيده.
أحاول أن أبتعد… أحاول بكل ما فيَّ من قوةٍ هشّة أن أضع بيني وبين ما أحبّ جدارًا، خطوةً، صمتًا، أي شيء ينقذني من الانجراف. لكنّ الغريب و الموجع أن ما أحبّه يعرف طريق قلبي جيدًا، وكلما ابتعدتُ عنه… جذبني إليه كأن بيننا خيطًا خفيًّا لا يُقطع، يشدّني برفقٍ تارة، وبقسوةٍ تارة أخرى، حتى أجد نفسي واقفة عند نفس النقطة التي هربتُ منها.
لم أعد أركض خلف ما أحبّ… بل أترك له الطريق كله؛ فإن عاد إليَّ رغم المسافة، عرفتُ أنَّه لي حقًا، وإن اختفى فيها، اكتشفتُ أنني لم أخسره… بل نجوتُ منه.
تعلمتُ أن المسافات ليست دائمًا جفاءً، أحيانًا تكون بوصلة نجاة، وهدنة مع الروح، ودرسًا في أنَّ كل ما أحببناه يومًا قد لا يكون المكان الآمن الذي اعتقدناه. لذلك… أتركُ بيني وبين العالم خطوةً زائدة، ونبضةً مترددة، وصمتًا يحرس قلبي، حتى لا يتكسّر من جديد.
وأحيانًا رغم كل مسافة أبنيها أدرك أن قلبي لا يطيق الابتعاد، وأن هذه المسافة نفسها صارت مرايا تُظهر لي كم أنا متعلق بما أحب، وكم أن محاولتي الابتعاد عنه ما هي إلا وهم يختبئ وراءه قلبي ليحمي نفسه من الانكسار.
![]()
