الكاتبه نور عبد الله
لستُ أدري كيف أبدأ، و لا بأي لغة يمكنني أن أشرح هذا الاضطراب الذي يتنازعني. منذ نصف ساعة و أنا أتساءل: أأقول أم أسكت؟ أأترك الكلمات تحيا أم أتركها تموت في صدري؟ و حتى اللحظة، ما زلت غير واثقة إن كان البوح هو الطريق السليم، غير أنّي ـ كعادتي ـ انصعت لما أحسّه، لا لما أراه صائبًا.
أدرك أنّك الآن لست في أحسن حال، و تتهادى في ذهني احتمالات لا تحصى عمّا قد يكون أرهقك: خبر سيئ، وجع مفاجئ، خلاف عابر، شرخ صغير في العائلة… آلاف السيناريوهات التي لا أعرف أيّها حقيقة، و لا أيّها محض وهم.
كنت أتمنّى لو جئتني، لأنّ البشر ـ مهما ادّعوا القوة ـ ينهارون حين لا يجدون أحدًا يقول لهم: “أنا هنا”. لكنّي، برغم ذلك، لا أملك أن أجرّك إلى البوح جرًّا، و لا أريد أن أداويك إن لم تكن راغبًا في الدواء.
و مع ذلك، دعني أفتح أمامك زاوية من نفسي ظلّت مغلقة طويلاً، زاوية كان في داخلها شيء يخصّك:
إنّ ما يؤلمني حقًّا ليس مجرّد غياب رسائلك، بل ذلك الشعور بأنّ الغياب نفسه لم يعنِ لك شيئًا. أفهم أنّ الإنسان قد ينشغل ساعات طويلة، و قد يبتعد عن هاتفه و عن العالم، و هذا من سنن الحياة. لكن مرور يومٍ كامل دون كلمة… دون سؤال… دون نبضة صغيرة تدلّ على حضورك، يجعل الأمور تتجاوز حدود “الانشغال” لتلامس حدود “اللامبالاة”.
رسالـة واحدة كانت كفيلة بأن تهدم كل هذا القلق. دقيقة واحدة كانت كافية لتقول: “أنا بخير، لا تقلقي.”
و أنا، التي أعرف أنك قادر على تفقد هاتفك، أستغرب كيف يُترك مَن يهمّك يتآكل في صمته دون حتى التفاتة صغيرة. أنت من تحدث عن “الاستثناء”، لكن الاستثناء لا قيمة له ما لم يُعاش، لا ما لم يُقال.
![]()
