الكاتبه عفراء فيصل
في تلك الليلة، حين شعر جارلوس أن نهايته تقترب، جلس آخر الكتّاب في المعبد أمام رقوقه المبعثرة.
لم يكن صوت السيوف في الخارج هو ما أخافه، بل فكرة أن يُكتب التاريخ مرة أخرى من وجهة نظر المنتصرين.
أشعل مصباحًا خافتًا، وبدأ يدوّن لا أسماء الملوك ولا مسارات الحروب، بل أسماء الفلاحين، البنّائين، الخادمات، الجنود الذين لم يُعرفوا يومًا.
كتب عن أمٍّ ودّعت ابنها عند النهر، وعن رجلٍ مات دون أن يترك قبرًا، وعن طفلةٍ حلمت بأن تصير كاهنة.
كان يدرك أن الحضارة تُبنى على ظهور هؤلاء الذين لا يذكرهم أحد، وأن خراب الدول يبدأ حين تُمحى أصوات البسطاء من الحكاية.
وقبل الفجر بدقائق، لفّ الرقوق كلها، ووضعها داخل جرةٍ فخارية صغيرة.
دفنها خلف جدار المعبد، وهمس للتاريخ:
“هذه ليست نهاية طيبة… هذه بداية حكايتها الحقيقية.”
ومضى إلى الظلام، غير عارفٍ إن كان سيعيش، لكنه مطمئن أن ما كتبه سيبقى حين يسقط الجميع.
![]()
