الكاتبة أماني احمد اسكندراني
يقولون أن الإنسان يتعلم من تجربته الخاصة… حسنا هذا إلى حد ما صحيح …
لكن كيف سأتعلم من تجربتي الخاصة إن لم يكن هناك من يوجهني … إن لم يكن هناك مصدر آخر أنهل منه المعرفة الصحيحة…
سأظل أقع في الخطأ نفسه مع تكرار التجربة نفسها وإن اختلف الممثلين … أو الأشخاص المشاركين فيها…
كنت أقف في طابور طويل لأحظى ببعض الخبز لعائلتي …
كان الطابور طويلاً جداً… والقتال على أشده… للحصول على لقمة العيش كما يقولون …
وإذ بالنساء بدأنا يتنازعن… كل واحدة منهن تشد شعر الأخرى … أمسكت إحداهن بحجابي … وحاولت نزعه من على رأسي بالقوة … رغبة منها أن أنسحب من الطابور …
لم أنسحب وأمسكت بحجاب رأسي وحين شعرت أن شعري قد بات على مرأى من البشر … جعلت القبعة المتصلة بجلبابي الطويل على رأسي… وأمسكت بها بيدي اليسرى … وبالأخرى ما زلت أنتظر أن يأخذ مني البائع المال لأشتري منه خبزاً..
لم تستسلم صاحبة القبضة الحديدية التي كانت تقف خلفي عن محاولاتها الاستفزازية وحركاتها القتالية لتبعدني عن ساحة المعركة… فجربت طرق أخرى من قرص، لعض وضرب … لكنني لم أتزحزح ولم أستسلم… كانت فارعة الطول… ممتلئة جداً… ذات نظرة حادة وقوية وغدارة……
وجهها قاتم كقتامة قلبها، وعينيها كعيني ثعلب مكار، ويديها كيدي غوريلا ترغب بالانتقام.
أصبح الحمى على أشده، وتعالت الصرخات والاستغاثة، حتى أصبحت قريبة بفعل تدافع هؤلاء النسوة من خلفي، لنافذة الفرن، فأخذ مني البائع المبلغ المطلوب، وأراد إعطائي خبزاً، لكن الخبز لم يصل لي.
تناقلته النسوة أصحاب القوة والنفوذ فيما بينهن، ولم أستطع الخروج من بين أقدامهن حتى أتى رجلاً بزي عسكري، أطلق النار في الهواء، فارتعبن قليلاً وألجمهن الصوت لبعض الوقت.
إنها معركة البقاء للأقوى والأكثر رهبة وصاحبة اللسان الأكثر قذارة.
أربع ساعات متواصلة من الوقوف في هذا الطابور الطويل ولم أخرج بقصعة خبز واحدة.
بل خرجت مجروحة، والكدمات تملأ جسدي الهزيل.
وهنا يتسائل الإنسان بينه وبين نفسه؟
ما الذي يدفع بالبشر ليصبحوا شرسين… عدوانيين… تحركهم غريزة البقاء للأقوى ؟
الحياة شاقة ومتعبة… ومليئة بالصعوبات والتحديات…
من أجل خبزٍ نتقاتل.. من أجل لحمٍ نتقاتل…
من أجل بضع كيلوات من السكر … نتقاتل… من أجل قنينة زيت صغيرة … نتقاتل..
من أجل رز .. نتقاتل…
نتدافع ….. نرفس… نسب ونشتم… نلعن… ولكن دون أي تغيير.
بطبع البشر لا يحبون الوقوف بدورهم … لا يحبون الالتزام… يقلقهم الانتظار… يزعجهم الانتظام..
هم فقط يحبون القتال.. والحصول على ما يرغبون بالقوة… في هذه الحالة فقط يستمتعون.
لا يبهجهم الوصول بسرعة .. ولا الهدوء.. ولا الصمت..
هم فقط يحبون الصراخ.. التدافع… الفوضى…
هذا خارج أسوار حصنهم الداخلي ومنازلهم الآمنة…
فهل يا ترى هم كذلك في منازلهم؟!!!!!
نرى صورة … أو نسمع كلمة أو لحن أو أغنية .. فنهوي سحيقاً جداً في بئر الذكريات….
تعيدنا الذكريات لأيامٍ مضت… نتحسر عليها ونتمنى عودتها… فهل نتمنى ذلك لأنها كانت أجمل؟ أم لأننا الآن لا نشعر بالسعادة؟.. أم لأننا كبشر خلقنا لنتحسر فقط ونتمنى العودة بالزمن؟…
لأننا نهاب المستقبل ونخاف الموت…
نهوى التعلق … أنانيين لا نرغب بالتغيير مهما تطورنا … نحنا حمقى لأننا نريد لزمن مضى أن يعود .. في حين كنا فيه سابقاً نتمنى الخلاص منه …
الصدمة … أن تعيش حدث صادم … فتنكسر لقطع وأجزاء… لا تستطيع أن تعود كما كنت … حسناً إذاً هل أنتحر؟ ماذا أفعل؟
شاهدت فيديو لإبريق شاي قد كسر وتفتت لأجزاء.. وبالرغم من أنه لم يعد كما كان … إلا أن شكله أصبح جميلاً بعد إعادة جمع أجزائه بقطع ومواد جديدة … أصبح أجمل وما زال يستطيع تنفيذ مهمته في الحياة … ويقوم بوظيفته على أكمل وجه.. لكن بصورة أبهر بكثير…
إذاً الصدمة جعلتني أجمل … كيف أضيف مواد لنفسي لأجمع قطعي المتكررة والمشتته… ماذا أفعل؟
اسمي…. أ…. كنت أنظف المنزل .. غسيل متراكم.. إعداد الطعام.. تنظيف الصحون.. تنظيف وترتيب المنزل… غسالة معطلة … الغسيل على اليدين… ومع هذا عليك الاهتمام بثلاثة أشخاص… وبالأدق شخصين .. أحدهما لا يتكلم أبداً .. هو فقط يريد منك إعداد طعامه .. القهوة… الشاي… ملابس نظيفة ومكوية ومرتبة … فقط
الآخر يريد منك نفس الشيء… ولكنه يثرثر ويتكلم … يظل يلعن ويسب ويشتم ليل نهار… بكاء وصراخ وأنين… يصيبك بالصداع … يشعرك أنك تؤلمه حين تحضر له طعامه.. حين تغسل له ثيابه… حسناً ما العيب فينا فعلت؟
لأن عليك في كل لحظة أن تقول له … لا تقلق لقد كنت سابقاً تفعل هذا… كنت ماهراً جداً .. أنا فقط لا أستطيع فعل شيء لولا ما كنت تفعله سابقاً.. تعلمت منك…
ومن ثم عليك مدحه طوال الوقت… وعليك الاهتمام به والاعتناء به… والتركيز على شعوره.. فهو حزين … عليك رفع معنوياته… أخبره أنك لن تتركه أبداً وأنك خادم له طوال العمر… لن تفارقه… وأن الاهتمام به يشعرك بالسعادة…
عليك أن ترافقه إلى زياراته التي لا تنتهي للأطباء .. فقط لأنه مهووس بصحته… عليك أن ترافقه للمستشفيات .. لأنه يرغب أن يتأكد أن مرضه مزمن وإن لم يكن هناك مرض…
عليك أن تبكي معه… إذا آلمته إصبع قدمه الصغرى… وأن تتطأطئ رأسك للأسفل إن آلمته أذنه .. رقبته.. يداه…
انتبه لقد شل الآن… إياك أن تجعله يمسك بشيء.. هل هو مشلول؟.. لا بالتأكيد .. هل يتظاهر . أجل هو يرغب أن تهتم به…
ثم ماذا ؟؟؟
ثم تهوي أنت في بئر الألم والعذاب الأبدي ..
كل ما تفعله ينقلب ضدك .. كل خير تقدمه يفسر كشر ..كل مساعدة .. كل نصيحة .. كل فعل حب … يفسر عكس حقيقته.
يطلبون منك الصمت .. هم يريدون تمثالاً فقط يبتسم ..
ويفعل .. يستمع .. يصغي .. ينفذ .. فقط .. لا يشتكي .. لا ينتقد.. لا يعلق .. لكن يجب عليه الابتسام .. هذه ضريبته .. لأنه فقط خلق في ظل عائلة لم تكن عائلته يوماً..
ترك فيها لأن من كانت أمه لم تعترف به… لم ترغب لنفسها أن تعترف بجريمة وقعت عليها .. وكنت أنا ثمرتها ..
ما ذنبي أني ولدت بالحرام… من أب لا يعرف الرحمة ولا الشفقة.. أب عاص.. عاق.. ظالم… وأم عديمة الإنسانية.. ضحية لكنها في نفس الوقت جلاد… مغلوب على أمرها .. لكنها في نفس الوقت قاسية معذبة.. مؤذية..
بشر مختلفون .. منهم القاسي وقليل منهم الحنون ..
حتى ضمن الشخص نفسه ترانا ألوانا متداخلة .. الأبيض مع الأسود.. والبني مع الزهري..
ألوان مسحوق ببعضها ..
لذا يا قارئي العزيز .. هل تأملت معي بعض الملامح البشرية…؟؟؟!!!
هل أعجبتك؟؟!!!. هل أثرت فيك ؟؟؟!!!
لكنني لم اكتب لتعجبك .. كتبت لأزيل عن نفسي الألم .. لأجعل روحي نقية …
ورغم هذا ما زلت أصارع ذواتي …
فها أنا ذا الكاتبة الحالمة الطموحة .. تصارع ذوات بداخلها .. ترى هل سأنتصر؟!!
![]()

