الكاتبة أماني احمد اسكندراني
كنا نعيش في غيبوبة طويلة.
في تخدير بلا مبرر.
حزن يرسم الوجوه،
وطابور الحياة الذي لا نعرف آخره.
كنا نتقاتل على كيس أرز…
على قطرات زيت…على ذرات السكر.
كل يوم معركة مع البقاء،
معركة على لقمة عيش تسكن الروح قبل الجوع.
كنا نجري ونجري… ولا ندري إلى أين.
سلاحنا الوحيد كان البكاء.
وجوه حائرة،متألمة، تمشي في الطرقات،
والبعض،لم يجد من يكلمه، فصار يكلم نفسه الملتاعة.
أم فقدت أبناءها،
وأطفال فقدوا العوائل،
وأناس خرجوا من بيوتهم
ودمرت أمام أعينهم،
وصاروا غرباء في وطنهم.
لم تكن الأرض صامتة.
كانت أنينا لأنفس تسكنها.
كانت آهاتنا هواء نتنفسه،
ودموعنا ماء يمطر علينا.
ضعنا الكرامة التي نتمسك بها.
سقنا كما تساق القطعان:
“قفوا هنا…اذهبوا هناك… انتظروا في ذلك المكان…”
عشر سنين أو أكثر،
شعور بالانقطاع،بالألم، بالفراق:
فراق الأقارب والأحباء،
وفراق الذكريات.
مشينا بلا أمل،بلا هدف، بلا رغبة.
لم يعد شيء يشعرنا بالبهجة.
كنا أمواتا.
والآن… مضى عام كامل،
وما زلنا في صدمة.
ما زلنا نحس بالقيود والأغلال تكبلنا.
ما زلنا نحتاج وقتا…
لنرتب شخصيتنا المهشمة،
لنصحح تشوها نفسيا ومعرفيا،
لنخيط جرح قلب لم يندمل.
ما زلنا نحتاج أن نصرخ:
آه…يا ولدي!
آه…يا أمي!
آه…يا بيتي!
آه…يا وطني!
ما زلنا نحتاج أن نتكلم،
لنخرج من قوقعتنا.
من نحن؟
نحن بسطاء القوم،الذين قيدوا بأغلال لا يعرفونها.
نحن الذين لا رأي لهم،ولا شعور في حساب الظالمين.
كنا فأر تجارب فقط.
والآن… بدأنا نشعر بشيء من السكينة.
سكينة المجهول…سكينة المنتظر.
لكن لا بد للظلم أن ينتهي.
ولا بد للفرح أن يأتي.
ولا بد للدعاء أن يصل.
أين للظالم من قوة الدعاء؟!
أين له من مهرب؟!
فمن رفعت يدها بالدعاء على من ظلمها،
فوالله…لا تمر الأيام إلا ودائرة الظلم تنقلب عليها.
لا تعيش براحة ولا سكينة،
ولا يعرف قلبها نعمة الهدوء،
ولا ضميرها نعمة الاطمئنان.
ستكون في سجن نفسها قبل سجن الحياة،
ويكفيها ظلمة الحياة قبل ظلمة القبر.
فكيف لك أن تظلم؟!
وكيف لك أن ترمي بأغلال الحقد عليهم؟!
فوالله…ما ارتفع شأنك إلا بهم،
والله…لن تهبط إلا بقوة وعزة الله.
فاتقوا الله فيمن حولكم.
فالقلب الذي ينزف آهات…يملك سماء بأسرها.
![]()
