بقلم: إسماعيل أبوزيد
لم يكن الخير يومًا زينة يتجمّل بها الناس أمام المرايا، ولا سلعة تباع وتشتري أمام الكاميرات كما يحدث اليوم،
بل ذاك النورٌ الخفيّ الذي يسكن قلوب الأنقياء، ويظهر جلياً حين تنطفئ الأضواء ليضيء العتمة ويصنع للأمل درباً جديداً .
وفي كل زمان، يظهر بين الناس من يضيء دروب الآخرين بالخير. من هؤلاء،
كان الدكتور محمد مشالي،
طبيباً متخصصاً في الأمراض الباطنة وطب الأطفال. عمل في الأرياف، حيث الحاجة أشد، ثم افتتح عيادته في طنطا.
لم يكن طبيبًا عاديًا؛ فقد ظل يحدد قيمة الكشف بخمسة جنيهات فقط، وكان كثيرًا ما يرفض تقاضي أي أجر عن المرضى الفقراء، ويشتري لهم الدواء من جيبه الخاص.
حياته تحولت إلى رسالة إنسانية بعد أن فقد طفلًا صغيرًا لم يستطع شراء حقنة الأنسولين، فتعلم من هذا الحادث أن الإنسانية أغلى من المال.
رحل مشالي كما رحل كل الطيبين
فكما قال العراب أحمد خالد توفيق : كنت أتساءل لماذا يختار الموت أفضل من فينا؟ ولكنني وجدت الإجابة مؤخراً في كلمة أحدهم: «لأنهم نجحوا في الامتحان مبكراً، فلا داعي لوجودهم»”.
“الموت يختار ببراعة، يختار الأفضل والأنبل والأشجع”…
وقد كان مشالي مثالًا حيًا لهذه الكلمات، رجل نجح في امتحان الحياة مبكرًا، فلا حاجة لانتظار الموت ليأخذ منه ما أنجز.
وليس في زمننا قصص خير فحسب؛ فالتاريخ مليء بمن ساروا على درب العطاء،
مثل عثمان بن عفان، أحد أعظم أئمة الخير في الإسلام.
فقد اشترى بئر رومة ليجعلها وقفًا للمسلمين، جهّز جيش العسرة في غزوة تبوك، وساهم في توسعة المسجد النبوي، واعتق الرقاب بانتظام، ووهب قوافل الطعام للمحتاجين.
أخلص لله في كل أعماله، ولقننا دروسًا حيّة عن العطاء بلا حدود.
مثل هؤلاء هم الذين تضيء أعمالهم قلوب الآخرين، وتعلم الأجيال أن الخير ليس فعلًا عابرًا،
بل حياة تُعاش للآخرين قبل النفس.
فكن نجمًا يضيء الطريق، ولا تكن عتمةً تُضلّ العابرين.
استوحِ من فاعلي الخير دربًا تسلكه،
وافعل الخير ما استطعت، وازرع النور حيث تمر،
فكم من إنسانٍ عاش طويلًا ومات غريبًا، وكم من آخرٍ رحل باكرًا لكنه بقي في ذاكرة النور خالدًا.
في كتابه الشهير «مُت فارغًا – Die Empty» يقول الكاتب الأمريكي تود هنري:
“لا تذهب إلى قبرك وفي داخلك أفكار لم تُنفذ، أحلام لم تُحقق، خير لم يخرج، عمل لم يُنجز.”
حينما قرأت هذا الكتاب ترك أثراً كبيراً في أعماق نفسي،
لأن رسالة الكتاب واضحة كالشمس:
أن تموت فارغًا، بعدما أفرغت في الحياة كل ما فيك من طاقة، وعطاء، وخير، وأحلام لم تبخل بها على الدنيا.
لذلك، لا تدع يومك يمر دون أثر، ولا تسمح لعمرك أن ينتهي وأنت لم تُضِئ طريقًا واحدًا.
فلتكن نجمًا يهدي الحائرين في العتمة، لا ظلًّا باهتًا يُنسى في زحمة الأيام.
اعمل، وابذل، وامنح، فالعمر يمضي، ولا يبقى بعد الرحيل إلا الأثر.
فما من إنسانٍ يحب الخير، إلا وفي جوهره رسولَ رحمةٍ يمشي على الأرض.
وللحب وجوه كثيرة، ومن لا يعرف حبّ الخير… فلن يفهم أبدًا سرّ الحبّ في أيّ وجهٍ من وجوهه.
![]()
