...
IMG 20260324 WA0059

 

الكاتب أنور الهاملي

 

ليس الأرق مجرد غياب للنوم، بل حضورٌ كثيف لشيءٍ لا يُرى. هو تلك اللحظة التي ينسحب فيها العالم بهدوء، وتبقى أنت وحدك، وجهًا لوجه أمام أفكارك، بلا ستار ولا مهرب. في سكون الليل، حين تتوقف الأصوات، تبدأ ضوضاء الداخل في الارتفاع، وكأن العقل يعوّض صمت الخارج بعاصفةٍ من الأسئلة والذكريات.

الأرق ليس عدواً دائماً؛ أحيانًا يكون رسولًا خفيًا. يأتي ليذكّرنا بأشياء أهملناها، بمشاعر دفنّاها تحت ركام الانشغال، أو بأحلامٍ تأجلت حتى نسيناها. في تلك الساعات الطويلة، يصبح الوقت مختلفًا؛ دقيقةٌ واحدة قد تمتد كدهر، وساعةٌ كاملة تمرّ كأنها سؤال بلا جواب.

نتقلّب بين الوسادة والفراغ، نحاول إقناع أنفسنا بأن النوم قريب، لكنه يظل بعيدًا كأفقٍ لا يُدرك. نعدّ الثواني، نراقب السقف، نصادق الظلال، وكأن الليل يتحوّل إلى مرآةٍ تعكس ما نخفيه في وضح النهار. كل فكرةٍ صغيرة تكبر، وكل ذكرى تعود بحضورٍ أثقل مما كانت عليه.

ومع ذلك، يحمل الأرق جانبًا إنسانيًا عميقًا. فهو يعرّي هشاشتنا، ويقرّبنا من ذواتنا، حتى وإن كان ذلك مؤلمًا. في لحظاته، نكون أكثر صدقًا، وأكثر وعيًا بما نشعر به حقًا. ربما لهذا السبب، خرجت من رحم الأرق أجمل القصائد، وأصدق الاعترافات، وأكثر القرارات جرأة.

لكن، لا ينبغي أن نتركه يستوطننا. فالنوم ليس رفاهية، بل ضرورة تعيد ترتيب فوضى الداخل. علينا أن نتعلّم كيف نهادن الليل، لا كيف نحاربه؛ أن نغلق أبواب التفكير حين يلزم، ونفتح نوافذ الهدوء، حتى يعود التوازن إلى أرواحنا.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *