...
IMG 20260404 WA0031

المحررة: زينب إبراهيم 

لنا مع المبدعين لقاءات لا تشبه العابرين حيث نقترب من العقول التي صنعت لنفسها طريقًا وسط التحديات ونسلط الضوء على كاتبة آمنت بأحلامها حتى أصبحت واقعًا يروى.

وفي هذا اللقاء نفتح نوافذ جديدة للحوار مع كاتبة اختارت للكلمة أن تكون صوتها ورسالتها.

 

الاسم: نرمين عادل أحمد همام.

الدراسة: حاصلة على ليسانس الحقوق من جامعه الاسكندرية، ثم حصلت على ماجستير القانون العام

دراستي علمتني فن المنطق، لكن روحي وجدت ضالتها في فن الكلمة.

الهوايات: الكتابة هي هوايتي وعالمي الخاص؛ فهي الوسيلة الوحيدة التى اعبر بها عما يجول في خاطري والقراءة ايضا فهي وسيلتي للسفر عبر كل الازمان

العمل الحالي: “كاتبة”.. أكرس وقتي وجهدي حالياً للتدوين وصياغة الأفكار. أؤمن أن الكلمة هي أقوى أداة للتغيير، لذا اخترت أن أكون جندية في محراب الحرف، أحول فيها خبرتي القانونية ورؤيتي الحياتية إلى نصوص تلمس القارئ.

من أنا بعيدًا عن الألقاب: أنا إنسانة تبحث عن الحقيقة بين السطور، أعبر عن نفسي بالكتابة فقط ، وأنا ابنة البحر التي تستلهم منه هدوءه وقوته. شخصية بسيطة، لكن طموحي ليس له سقف، وقوتي الحقيقية أستمدها من “قلمي” وقدرتي على التعبير عما يجول في خاطري وفي خواطر الآخرين.

لي تسع روايات ورقية عرضت في معرض القاهرة الدولي

والعديد من الروايات الطويلة قدمتها في المواقع العربية والاجنبيه والكثير من الاسكربتات التى تعرض داخل الفيس بوك.

إذا كان كتابك شخصًا، كيف تصفه؟ هل هو هادئ، صاخب، أم غامض؟

إذا كان كتابي شخصًا فسأصفه بأنه (غامض وهادئ هدوءاً يسبق العاصفة).

هو ذلك الشخص الذي يجلس في زاوية الغرفة، لا يتحدث كثيراً، لكن نظراته تخترقك وتعرف ما تخفيه وراء قناعك. هو ليس غامضاً من أجل الغموض، بل لأنه يمثل النفس البشرية بكل تعقيداتها؛ تلك النفس التي لا تبوح بأسرارها بسهولة.

كتابي شخص حكيم ومراقب جيد للواقع لانه واقعي، يدمج بين برود المحلل النفسي وحرارة المشاعر الإنسانية. هو شخص لا يخشى مواجهة “الرعب الواقعي” الذي نعيشه، ولا يتردد في أن يضعك أمام مرآة نفسك لترى الجوانب التي تخاف عادةً من النظر إليها. هو باختصار: صديق صادق لدرجة الصدمة، وهادئ لدرجة تجعلك تسمع صوت أفكارك بوضوح.”

 

 

ما اللحظة التي شعرت فيها أن الكتابة ليست هواية بل قدر لا يمكن التهرب منه؟

“اللحظة التي أدركتُ فيها أن الكتابة قدري وليست مجرد هواية، كانت اللحظة التي وُلدت فيها روايتي الورقية الأولى. حينها، شعرتُ أن القلم لم يعد أداة للتسلية، بل أصبح أمانة ومسؤولية.

أنا لا أكتب لأهرب من الواقع، بل أكتب لأواجهه. في جعبتي اليوم تسع روايات ورقية، كل واحدة منها هي رحلة في جانب مختلف من جوانب الروح الإنسانية. الكتابة بالنسبة لي هي ‘القدر’ الذي أختاره الله لي ثم هو الطريق الذي اخترته لأقول ما يخشى الكثيرون البوح به، ولأسلط الضوء على تلك المناطق الغامضة في أنفسنا والتي نفضل تجاهلها.

لقد اكتشفت أن دراستي للقانون العام علمتني كيف أبحث عن الحقيقة، لكن الكتابة هي التي منحتني الجرأة لأكشف تلك الحقيقة في قالب إنساني ونفسي. عندما وجدتُ أنني لا أستطيع الصمت أمام تعقيدات النفس البشرية، وأن ورقتي هي الملاذ الوحيد لترجمة صراعات الواقع، أدركتُ حينها أنني لم أختر الكتابة.. بل هي التي اختارتني كقدر لا يمكنني، ولا أريد، التهرب منه.”

 

لو اختفت الكلمات فجأة، كيف ستعبّر عن أفكارك ومشاعرك؟

لو اختفت الكلمات فجأة، سأشعر وكأنني فقدت حواسي كلها دفعة واحدة. الحقيقة الصادقة هي أنني وقتها لن أستطيع التعبير عن نفسي؛ فالكلمة بالنسبة لي ليست مجرد وسيلة، بل هي الجسر الوحيد الذي يربط عالمي الداخلي المزدحم بالصراعات النفسية، بالواقع الخارجي.

إذا اختفت الكلمات، سأتحول إلى ‘صمتٍ مُطبق’. ربما سأعبر بنظرات عيني، أو بملامح وجهي التي قد تحمل تفاصيل رواية كاملة لم تُكتب، أو ربما سأترك ‘صمتي’ هو الذي يتحدث عني. ففي مدرسة القانون تعلمت أن الصمت قد يكون دليلاً، وفي مدرسة الحياة تعلمت أن أعمق المشاعر هي تلك التي تعجز الحروف عن وصفها.

لكن في غياب الكلمة، سأكون كالبحر في ليلة شتاء سكندرية؛ هادئ جداً من الخارج، لكن في أعماقه تضج آلاف الحكايات والنفوس البشرية التي كانت تنتظر قلماً ليحررها، ولأن القلم اختفى.. ستظل تلك الأرواح سجينة بداخلي إلى الأبد

 

أي فكرة تخاف أن تكتبها رغم إيمانك بها؟ ولماذا؟

الفكرة التي أخشى كتابتها ليست اجتماعية أو سياسية بالمعنى التقليدي، بل هي (فكرة التخلي التام عن الأقنعة البشرية).

أنا أؤمن يقينًا أن خلف كل وجه هادئ وقور، هناك ‘نسخة أخرى’ لا يعرفها أحد، نسخة قد تكون موغلة في البدائية أو التوحش أو الألم. بصفتي باحثة في القانون، أعلم أن القوانين وُضعت لتهذيب هذه النفس ووضع حدود لها، لكنني ككاتبة، أقف أحياناً أمام باب ‘الصندوق الأسود’ للنفس البشرية وأتردد في فتحه تماماً.

لماذا أخافها؟ لأنني أخشى أن أكتب حقيقة ‘عارية’ تمامًا لدرجة تجعل القارئ لا يرى نفسه في المرآة بعدها بنفس الطريقة. أخشى أن أصل إلى منطقة من ‘الرعب الواقعي’ لا أستطيع بعدها أن أمنح القارئ طوق نجاة أو أمل. الكتابة عن ‘الشر الكامن’ الذي لا يردعه قانون ولا تهذبه نفس، هي فكرة أؤمن بوجودها، لكنني أخشى أن يسحبني قلمي إليها فأفقد القدرة على العودة إلى شاطئ الطمأنينة مرة أخرى. أنا أكتب لأكشف الحقائق، لكن هناك حقائق قد تكون كالقنبلة.. إذا انفجرت، قد لا تُبقي شيئًا.”

 

هل تكتب لتنجو من شيء أم لتصل إلى شيء؟ وما هو؟

في بداياتي، كانت الكتابة هي ‘درعي’ الذي أحتمي به؛ كنت أكتب لأنجو من وحشة الوحدة، ولأروض مشاعر الغضب التي كانت تعصف بي في الصغر. كانت الورقة والقلم هما المساحة الآمنة التي تفصلني عن ظروفٍ محيطة لو استسلمتُ لها لخرجتُ منها ‘مشوهة المشاعر’. لذا، أدين للكتابة بأنها حافظت على توازني النفسي وجعلتني أعبر نفق الطفولة والصبا بسلام.

أما الآن، وبعد أن نضج قلمي، لم أعد أهرب.. بل أصبحت أتقدم. أنا أكتب اليوم لأصل إلى ‘ذاتي’ التي طالما بحثت عنها بين السطور. أكتب لأصل إلى تلك النسخة الحقيقية من ‘نرمين’، البعيدة عن قيود الألقاب والضغوط الاجتماعية.

لقد أدركتُ أنني من خلال تسع روايات، لم أكن أسرد قصص الآخرين فحسب، بل كنت أجمع ‘شظايا نفسي’ من بين ثنايا الشخصيات. أسعى للوصول إلى الحقيقة الإنسانية المجردة؛ تلك التي تجمع بين صرامة القانون الذي درسته، وبين هشاشة الروح التي أكتب عنها. أنا أكتب لأصل إلى مرفأ اليقين، ولأقول لكل من يقرأ لي: ‘لست وحدك في هذا الصراع، فكلنا نبحث عن ذواتنا في واقعٍ يحاول طمسها’.

 

إذا أردت أن تختصر فلسفة حياتك في جملة واحدة، ماذا تقول؟

أنا أكتب لأرمم شظايا الروح بمداد الحقيقة، فالحياة ليست ما نعيشه، بل ما نملك الجرأة على البوح به.

 

 

ما أصعب لحظة واجهتك أثناء كتابة نص، وكيف تعاملت معها؟

أصعب لحظة واجهتني كانت حين شعرتُ أن قلمي قد تجرد من حياده، وانغمس تماماً في ألم إحدى الشخصيات لدرجة العجز عن إكمال المشهد. في رواياتي النفسية، أنا لا أختلق خيالاً، بل أستحضر واقعاً قد يكون مرعباً في صدقه، وأحياناً أصل لنقطة أشعر فيها أنني أعرّي النفس البشرية أكثر مما يحتمل الورق.

كانت اللحظة الأصعب هي حين اصطدمت نرمين ‘الإنسانة’ التي تشعر وتتأثر، بـ نرمين التي تحلل وتبحث عن الأسباب. وجدتُ نفسي أمام تساؤل: هل من حقي كشف هذا القدر من السواد الكامن في أرواحنا؟

كيف تعاملت معها؟ توقفتُ تمامًا عن الكتابة، وأغلقتُ أوراقي ومفكرتي. لم أبحث عن الهروب في أي مكان، بل ذهبتُ إلى المكان الذي أجد فيه الحماية والسكينة؛ فرشتُ سجادتي وصليتُ ركعتين لله.

في تلك الركعات، كنتُ أفرغ عقلي وقلبي من أي خوف أو قلق يسيطر عليّ بسبب عمق النص الذي أكتبه. الصلاة بالنسبة لي هي ‘المصفاة’ التي تنقي روحي من شوائب الألم الواقعي الذي أغوص فيه. بعد الصلاة، كنتُ أشعر بصفاءٍ غريب وقوة استمدها من الخالق، فأعود إلى قلمي بقلبٍ أصلب وعقلٍ أنور.

أدركتُ حينها أن دوري ككاتبة ليس ‘تجميل’ الواقع، بل ‘تطهيره’ بالبوح به بصدق، ومواجهة هذا الألم بالكلمات هي أولى خطوات التعافي منه. تعلمت أن الكلمة أمانة، وأنني طالما أستعين بالله، فسأتمكن من كتابة تلك النصوص الصعبة التي تترك في القلوب أثراً لا يمحوه الزمن.

كيف تصف العلاقة بينك وبين شخصياتك؟ هل يخونك بعضها أحيانًا؟

العلاقة بيني وبين شخصياتي هي علاقة ‘مطاردة مستمرة’؛ أنا أطاردهم بالأسئلة والمنطق، وهم يطاردونني بآلامهم وواقعهم الصادم. أنا لا أكتب شخصياتي، بل أستضيفهم بداخل الروح، أسمع أناتهم وأراقب صراعاتهم النفسية قبل أن أضعهم على الورق.

هل يخونني بعضها؟

نعم، وبشكل متكرر. أحيانًا أرسم للشخصية مسارًا ‘منطقياً’ أو ‘عادلاً’ ، لكنها فجأة تتمرد وتخون توقعاتي. ترفض أن تكون مثالية أو أن تنصاع لرغبتي في الإصلاح، وتجذبني هي إلى مناطق مظلمة لم أكن أنوي الذهاب إليها.

حين تخونني الشخصية، أشعر أنها أصبحت ‘حية’ تماماً، لدرجة أنها تفرض مصيرها بيديها. وفي تلك اللحظات، أتوقف عن كوني ‘المؤلفة’ وأتحول إلى مجرد ‘شاهدة عيان’ تدون ما تفعله هذه النفس البشرية المتمردة. هذه الخيانة هي أجمل ما في الكتابة، لأنها تثبت لي أنني لم أتخيل شخصيه تمثالاً من شمع، بل خيالا ينبض بالواقع.. والواقع دائماً ما يخون التوقعات.

 

 

ما أكثر نص شعرت أنه كتبك قبل أن يقرأه الآخرون؟

الحقيقة أنني لا أكتب نصوصًا منفصلة عني؛ بل أنا حاضرة في كل سطر، بطريقة أو بأخرى، برأيٍ، بفكرةٍ، أو حتى بشهقة ألم مخبأة بين الكلمات. لكن النص الذي شعرتُ أنه ‘كتبني’ قبل أن يقرأه الآخرون، هو كل نص خرج من سلسلة روايات او اسكربتات (خلف كل باب).

في هذه السلسلة، وفي رواياتي التسع التى هي ايضا خلف كل باب التي تدمج بين الاجتماع والنفس والرعب الواقعي، كنتُ أشعر أنني لا أهدم الجدران فحسب، بل أهدم حصوني النفسية أنا أيضاً. النص الذي ‘كتبني’ هو ذلك الذي وضعني أمام مرآة نفسي، وجعلني أواجه صراعاتي البشرية قبل أن أعرض صراعات الآخرين.

لقد كتبتُ الكثيرمن الروايات الطويلة للمواقع العربية والأجنبية، وصغْتُ عشرات ‘الإسكريبتات’، لكن اللحظة الأكثر مكاشفة هي حين يتحول ‘الرعب الواقعي’ من مجرد حكاية على ورق إلى مواجهة مع الذات. أشعر أن نصوصي هي التي شكلت ملامح ‘نرمين’ الحالية؛ فكل شخصية تمردت، وكل صراع نفسي خلف الأبواب المغلقة، كان يعيد صياغتي من جديد، ويحررني من قيود الصمت التي كنتُ أهرب منها في صغري. أنا ممتنة لكل نص ‘كتبني’، لأنه علمني أن الحقيقة، مهما كانت مرعبة، هي الطريق الوحيد للحرية.

 

 

هل تكتب أولًا لتصل للقارئ أم لترضي صوت داخلك؟

أنا أكتب أولاً لأرضي نفسي وضميري؛ فالكلمة أمانة، وقلمي لا يعرف المجاملة على حساب الحقيقة. الكتابة بالنسبة لي هي ‘محاكمة عادلة’ للنفس والمجتمع، لذا يجب أن يكون الضمير هو القاضي الأول فيها.

بعد إرضاء الضمير، يأتي القارئ، وتحديداً ذلك الإنسان الذي يجد نفسه بين سطوري. في روايتي (على حافة العمر) التي شاركتُ بها في معرض القاهرة الدولي 2025، لم أكن أكتب لمجرد السرد، بل كنتُ أكتب صرخة في وجه واقعٍ قاسٍ. كتبتُ عن تلك المرأة التي أفنت سنوات عمرها ‘آمنة مطمئنة’ في كنف زوجها، لتجد نفسها في خريف العمر ‘فائضة عن الحاجة’ ومنسية.

كتبتُ هذه الرواية للمرأة أولاً؛ لأسأل العالم: ‘إلى أين تذهب تلك الروح التي ضحت بكل شيء؟’. لذا، كان إهدائي في الرواية واضحاً ومباشراً: (إلى كل امرأة عانت وتعاني في صمت). عندما أكتب بضمير حي عن قضايا بهذه الحساسية، أثق أنني سأصل لقلب القارئ لا محالة، لأن الصدق الذي يرضي الضمير هو أسرع الطرق للوصول إلى الناس.

 

إذا عدت لأول نص كتبته، ماذا ستقول للنسخة الشابة منك؟

لو عدتُ لتلك النسخة الشابة مني وهي تخط أول نصوصها، سأحتضن قلقها وأقول لها بلهجة واثقة:

‘لا تخافي من صدقك، ولا تستخفي بدموعك التي تبلل الورق؛ فكل قطرة منها ستتحول يوماً إلى حبر يدافع عن المظلومين الصامتين ويكشف خبايا النفوس.’

سأقول لها: ‘استمري في الكتابة، لأن هذا القلم الذي تمسكين به اليوم لتهربي من وحدتك، سيكون هو نفسه الجسر الذي تصلين به إلى ذاتك الحقيقية. لا تقلقي من صخب الواقع أو قسوة الظروف، فقد ادخر الله لكِ صوتاً سيصل يوماً إلى معرض القاهرة الدولي، وسيكون ملاذاً لكل شخص يعاني في صمت.’

وأخيرًا سأهمس لها: ‘دروس القانون التي ستتلقينها لن تجفف منابع إبداعك، بل ستمنح قلمك ميزاناً من الحق والعدل. استمري، فخلف كل باب تغلقينه في وجه الخوف، هناك رواية تنتظر أن تولد، وهناك أرواح ستجد في كلماتكِ حياة.

 

 

ما أكثر تجربة إنسانية شعرت أنها لم تُكتب كما تستحق؟

التجربة الإنسانية التي شعرتُ أنها لم تُكتب كما تستحق بعد، هي تلك المعاناة الخفية التي ناقشتُها في روايتي الورقية الثانية لعام 2025 (غساق وهمس الظلال). في هذا العمل، لم أكن أكتب عن ‘الجن العاشق’ بمنظور الرعب التقليدي أو الخيالي، بل كتبته كـ ‘تجربة إنسانية مريرة’ تعيشها الكثير من الفتيات عبر العصور في صمتٍ قاتل.

لقد كانت تجربة بطلة الرواية من الثقل والزخم النفسي لدرجة أنني تعمدتُ تقليص عدد كلماتها وحجمها؛ ليس عجزاً عن الوصف، بل لأن حجم الألم والمعاناة فيها كان يفوق قدرة الورق على الاحتمال. شعرتُ أن الإطالة قد تشتت القارئ عن جوهر ‘الانتهاك النفسي والروحي’ الذي تتعرض له بطلتي.

أنا لا أعتبر ‘غساق وهمس الظلال’ مجرد رواية، بل أعتبرها ‘صرخة مسكوت عنها’ لفتياتٍ حقيقيات عشن هذا الصراع بين الواقع وبين قوى خفية تنهش أرواحهن. شعرتُ أن واجبي ككاتبة هو أن أعطي لهذه التجربة ‘صوتاً’ يحترم خصوصيتها ووجعها، بعيداً عن الابتذال أو الخيال الصرف، لعلها تنال يوماً ما تستحقه من تفهمٍ واحتواء.

 

كيف تتعامل مع فترات الجفاف الإبداعي؟ هل تصادقه أم تحاربه؟

فترات الجفاف الإبداعي بالنسبة لي ليست عدواً أحاربه، بل هي ‘وقفة تأمل’ أحترمها وأصادقها. بصفتي كاتبة تغوص في مناطق نفسية شائكة ومظلمة أحياناً، أدركتُ أن عقلي يحتاج أحياناً للصمت ليتمكن من استيعاب زخم المعاناة الإنسانية التي أقوم بصياغتها.

 

 

كيف أتعامل معها؟

لا أحاول إجبار قلمي على الكتابة؛ فالنص الذي يخرج بالإكراه يفتقد الصدق. بدلاً من المحاربة، أعود إلى ركني الهادئ، إلى سجادتي وصلاتي. أصفي عقلي تماماً من ضجيج القصص وأصوات الشخصيات المتمردة، وأترك لنفسي المساحة لتستعيد توازنها بعيداً عن الورق.

أصادق هذا ‘الصمت المؤقت’ لأني أعلم أنه ليس جفافاً، بل هو مرحلة ‘مخاض’ لعمل جديد. غالباً ما تتبع هذه الفترات ولادة فكرة أكثر عمقاً وجرأة، وكأن عقلي كان يجمع أنفاسه ليقتحم باباً جديداً من أبواب النفس البشرية. لذا، أنا أمنح قلمي ‘إجازة محارب’ بكل حب، حتى يعود وهو يحمل حقيقةً تستحق أن تُكتب.

 

 

ما رسالة واحدة تريد أن تصل إلى قرائك عبر كتاباتك، رسالة صادقة وبعيدة عن المجاملات؟كيف تختار موضوعات كتاباتك: هل تأتيك أولًا من الفضول الفكري، أم من تجربة شخصية، أم من الحاجة لإيصال رسالة للعالم؟

رسالتي الصادقة والبعيدة عن أي تجميل هي: (لستِ وحدكِ في هذا الصراع، وصمتُكِ ليس قدراً محتوماً). أريد أن أقول لكل قارئ وقارئة، وخاصة أولئك الذين يعانون خلف الأبواب المغلقة: إن مواجهة الحقيقة هي أولى خطوات النجاة. من خلال كتاباتي عن النفس البشرية وعن المرأة التي ‘عاشت على حافة العمر’، أريد أن أزرع فيهم اليقين بأن كشف الوجع بالكلمات هو ‘تطهير’ وليس ‘عاراً’. رسالتي هي أن القوة الحقيقية تبدأ حين نملك الجرأة لننظر في مرآة أرواحنا ونعترف بكسورنا، فالحق لا يضيع ما دام هناك صوتٌ يجرؤ على المطالبة به، حتى لو كان هذا الصوت حبراً على ورق.

 

كيف تختارين موضوعات كتاباتك؟

موضوعاتي تختارني قبل أن أختارها، وهي مزيج من (الحاجة لإيصال رسالة للعالم) و(الفضول الفكري)

أنا لا أبحث عن قصص خيالية لملء الصفحات، بل أستمد إلهامي من ‘الواقع المسكوت عنه’. يأتي الموضوع حين أرى موقفاً إنسانياً يمر به الناس وكأنه عادي، بينما أرى أنا خلفه صراعاً نفسياً مريراً، كما في تجربة ‘الجن العاشق’ في (غساق وهمس الظلال) أو تهميش المرأة في (على حافة العمر). أو التنمر في (رواية قلوب وشمتها القسوة) وهي رواية ورقيه ايضا

فأنا أراقب المجتمع بعين ‘المحلل’، وصمتي في صغري جعلني أسمع ‘أنات النفوس’ بوضوح. لذا، تبدأ الفكرة بفضول يسأل: ‘لماذا يحدث هذا؟’، وتتحول إلى رسالة مُلحّة ترفض الصمت، فتخرج في شكل رواية اجتماعية أو رعب واقعي يعيد للضحايا صوتهم الضائع.

ما أكثر نص شعرت أنه غير نظرتك للكتابة أو غيّر فهمك للفن الأدبي؟ وكيف أثر ذلك على أعمالك اللاحقة؟

النص الذي غيّر نظرتي للكتابة لم يكن مجرد رواية خيالية، بل كان (النصوص القانونية حين تُقرأ بعين إنسانية).

لقد تعلمتُ من دراستي أن ‘المادة القانونية’ جافة وصارمة، لكنني حين بدأتُ أكتب، أدركتُ أن خلف كل ‘مادة’ قصة ألم، وخلف كل ‘جريمة’ صراعاً نفسياً لم يلتفت إليه المشرّع.

هذا الإدراك هو الذي غير فهمي للفن الأدبي؛ فلم يعد الفن بالنسبة لي مجرد ‘تزجية وقت’ أو ‘خيال محض’، بل أصبح (أداة لتحقيق العدالة النفسية) التي قد يعجز القانون الجامد عن تحقيقها.

 

كيف أثر ذلك على أعمالي اللاحقة؟

أصبح قلمي أكثر ‘واقعية’ وأقل ميلاً للزخرفة. لم أعد أهتم برسم أبطال مثاليين، بل صرتُ أبحث عن ‘الحقيقة العارية’.

أصبحتُ أكتب بمسؤولية باحثة القانون وبشغف الروائية؛ ففي رواياتي لم أكتفِ بعرض الرعب والمعاناه ، بل حللتُ ‘المعاناة’ كقضية إنسانية تستحق النظر.

باختصار، الفن الأدبي عندي هو صوت لمن خذلهم الواقع أو عجزوا عن التعبير عن أنفسهم.

 

هل ترى أن الكتابة واجب اجتماعي وأدبي معًا؟ وكيف توازن بين الإبداع والرسالة التي تريد إيصالها؟

أرى أن الكتابة هي واجبٌ اجتماعي وأدبي في آنٍ واحد، ولا يمكن الفصل بينهما. الأدب بالنسبة لي ليس ‘برجاً عاجياً’ ننعزل فيه عن آلام الناس، بل هو ‘مرآة’ تعكس الواقع وتكشف عيوبه. بصفتي باحثة في القانون وكاتبة، أشعر أنني ملتزمة أخلاقياً تجاه كل فئة صامتة في المجتمع؛ فإذا لم يكن الأدب صوتًا للضعفاء والصامتين فما الفائدة من الكتابة؟

أما عن التوازن بين الإبداع والرسالة:

فالمعادلة عندي هي: (أن تكون الرسالة هي المضمون، والإبداع هو القالب الذي يحميها من الجمود). أنا أوازن بينهما من خلال ‘الصدق النفسي’؛ فلا أجعل الرسالة تتحول إلى ‘خطبة خطابية’ مباشرة تنفّر القارئ، بل أجعلها تتسلل من خلال تفاصيل الشخصيات وصراعاتها.

الإبداع عندي هو أن أصنع عالماً روائياً مشوقاً، يلمس المشاعر ويثير الفضول، لكن في أعماق هذا العالم، يجد القارئ ‘رسالة’ تهز قناعاته وتدفعه للتفكير. الرسالة هي البوصلة التي توجه قلمي، والإبداع هو الأجنحة التي تحلق بهذه البوصلة لتصل إلى عقول وقلوب القراء بجمال وعمق.

 

ختامًا ما رأيك في أسئلتنا لهذا اليوم ومجلة الرجوة الأدبية؟

في الختام، أود أن أعبر عن سعادتي البالغة بهذه الأسئلة؛ فهي لم تكن مجرد استفهامات عابرة، بل كانت ‘رحلة استكشافية’ في أعماق قلمي وفلسفتي ككاتبة. لقد استطاعت هذه الأسئلة أن تلمس الجوانب الإنسانية في شخصيتي، وتمنحني المساحة للبوح بما وراء الكلمات في رواياتي .

أما عن (مجلة الرجوة الأدبية)، فهي بالنسبة لي ليست مجرد منصة للنشر، بل هي ‘منارة فكرية’ ومنبرٌ يحترم قيمة الكلمة ويسعى بصدق لإبراز الجوانب الخفية في روح المبدع. يعكس وعياً أدبياً رفيعاً وضرورياً في وقتنا الحالي.

أشكركم على هذا الحوار الراقي، وأتمنى لـ ‘مجلة الرجوة’ دوام التألق والريادة في دعم الأدب الحقيقي الذي يلمس الواقع ويغير في النفوس، وأتمنى أن تكون إجاباتنا اليوم إضافةً تليق بقراء المجلة الكرام.

 

IMG 20260404 WA0030

https://www.facebook.com/nermeen.adel55

 

 

 

 

 

 

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *