الكاتبة هالة الشيخ
ذاكرةٌ يُبلّلها المطر ٠٠
ليست كلُّ الذكرياتِ تُقيم فينا بذاتِ الثقل ٠٠
فبعضُها أثرٌ مَنسيٌّ كأحافيرَ حجريةٍ طمرها الغبار،
وبعضُها يترصدُ شهقةَ السماء،
يكفيهِ لحنٌ شارد،
أو رائحةُ أرضٍ تعانقُ أولَ القطرات،
ليستعيدَ نبضَه..
كأنّ الروحَ كانت مجردَ ممرٍ لهذا البعث.
هناك ذكرياتٌ لا تؤمنُ بالعدم،
بل تعتكفُ في زوايا الصمتِ القصيّة،
حتى إذا ما انهمرَ المطر،
واستيقظتْ مسامُّ الوجدان،
عادت الوجوهُ من منافيها،
واستردّتِ الأصواتُ حنجرتَها التي ظننّاها صَدِئتْ،
ليفيضَ القلبُ بما عجزَ عن كتمانِه طويلاً.
المطرُ لا يغسلُ وجهَ الأرضِ فحسب،
بل يُرممُ ندوبَ اليبابِ فينا،
ويستدرجُ الذاكرةَ إلى طفولتِها الأولى
حين كانت الأرواحُ تهرعُ خلفَ غيماتِها
بيقينٍ لا يخدشُه التأويل،
وقلوبٍ لم تتلوثْ بعدُ بمرارةِ الحذر.
وفي كلِّ غيمةٍ عابرة ٠٠
قيامةٌ صغرى لذاكرةٍ قديمة،
تفتحُ فينا نوافذَ لم نعهدْها،
وتجلسُ هناك ٠٠
تُحصي ما تساقطَ منّا ٠٠ وما ظلَّ صامداً أمامَ العاصفة.
![]()
