...
Img 20250618 wa0215

كتب: حسين العلي 

 

في الزحامِ المتكاثف لأيامِ البشر، حيث تتناسلُ

الساعات كحبّاتِ الرمل في ساعةٍ رملية مسرعة، ننسى أن نتوقف. ننسى أن نسأل. ننسى أن نصغى لذلك الهمسِ القادم من أعماق الذات:

“هل ما أفعله الآن، هو حقًّا ما أردت؟

 

يقول سقراط، حكيمُ أثينا ومعلمُ الفلسفة:

“الحياة التي لا يُمارس فيها التأمل، لا تستحق أن تعاش”

وكأنّه يزرعُ في النفسِ وعيًا مفزعًا: أن لا قيمة لحياةٍ

تعاش على هامشِ الذات، بلا وقفةِ تأملٍ أو لحظةِ مواجهة.

يؤسّس سقراط هنا لموقف وجودي جريء:

الإنسان الذي يعيش دون أن يراجع نفسه، دون

أن يسائل أفكاره، دون أن يتأمل أفعاله ومعانيها،

ليس إنسانًا بالمعنى الكامل، بل هو آلة مبرمجة

تسير وفق ما تم تلقينها به، وما قيمة الحياة إذا كانت مجرد تكرار؟

ما معنى العيش إن كان خاليًا من الوعي؟

إنها حياة ممسوخة، بلا روح. حياةٌ تعاش كأنها موت مؤجّل.

فما التأمل إذًا، إن لم يكن ذلك المصباحَ الذي

نحمله في دهاليزنا الداخلية، نضيءُ به أركانًا كانت مطموسةً بضجيج العادة، وتحت ركام الرتابة؟

هو الوقوفُ على مفترق الأسئلة:

من أنا؟

ماذا أفعل؟

أين أنا من قلبي؟

من مبادئي؟

من أحلامي الأولى التي أكلها الغبار؟

هو الإصغاء للذات، في زمنٍ لا يسمع فيه الإنسانُ إلا الخارج، ويهرب فيه من صمتِه كما يهرب من اعترافاته.

إنّ الحياة التي تخلو من التأمل، ليست سوى

مسودةٍ باهتة لحياةٍ حقيقية، مجرد تتابعٍ آليٍّ

للمهام، نومٌ واستيقاظٌ، سعيٌ لا نعلم وجهتَه،

وركضٌ لا نعرف منتهاه.

يعيش المرءُ عقودًا، ويحسبُ أنّه قد “عاش”، وما فعل في حقيقة الأمر سوى أنه سار على خطى من سبقوه،

بلا تمرد، بلا سؤال، بلا لحظةِ صمتٍ يخلع فيها عباءة العالم، ليواجه ذاته مجردة.

 

ولعلّ أعظم الخسارات ليست الفقر، ولا الموت، ولا الخذلان، بل أن يمر العمر دون أن يعرف المرءُ من يكون.

أن يدفن وهو لم يولد بعد روحيًّا، لم يتأمل يومًا ما يفعل، لم يسأل لِمَ يحزن؟ ولِمَ يحب؟ ولِمَ يخاف؟

أن يرى نفسَه ذات صباحٍ، فلا يعرفها، لأنها كانت

غائبةً عنه طوال العمر.

 

أيها العابر في طريق الحياة، لا تأخذك المظاهر، ولا يخدعك الزحام. ابحث عن تلك الزاوية المضيئة

في داخلك، اجلس مع نفسك. لا لتعاتبها،

بل لتفهمها. لا لتحاكمها، بل لتكلمها.

فربما، في لحظةِ تأملٍ واحدة، تفتح لك أبوابٌ

لم تكن تدري بوجودها، وتكتشف أن الحياة كانت تنتظرك.

 

تأمل؛ تكن حيًّا.

تأمل؛ تستحق أن تعيش.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *