كتبت: فاطمة صلاح
ثمة غرباء، لا نعرف أسماءهم، ولا ندرك من أين
جاءوا ولا إلى أين مضوا… لكننا، رغم ذلك، لا ننسى
أنهم مرّوا.
مرّوا كنسمة خفيفة في ظهيرة حارة، ككلمة طيبة
على لسان الدنيا حين كنّا نظنها بكماء، كعينٍ رأتنا
حين لم يَرَنا أحد، أو كيدٍ ربتت على ظهورنا حين
كنا نقاوم الانكسار بصمت.
إنهم الذين مرّوا مرور الكرام، لكنهم لم يغادرونا أبدًا.
في زحام الحياة، ونحن نُسرع لندرك ما لا ندريه،
قد يحدث أن يصادفنا أحدهم فجأة… لا يسألنا
عن قصتنا، لكنه يقرأ ملامحها في وجوهنا. يقول
كلمة واحدة، ربما، لكنها تضيء شيئًا في أرواحنا
كان مطفأً.
قد يكون سائق تاكسي بعبارة بسيطة قالها دون قصد، أو عجوز في الطريق ابتسم في اللحظة التي كنا نظن أن أحدًا لم يعد يرانا.
وقد يكون معلمًا لم يدرِ أن مديحه الصغير أنقذ طالبًا من الشعور باللاجدوى، أو ممرضةً أمسكت بيد مريض كأنها تقول له:
“ما زلتَ هنا”.
وهكذا، يتجول بيننا أشخاص لا يحملون لافتات
البطولة، لكنهم يصنعون أثرًا خالدًا. لا يملكون عصًا سحرية، لكنهم يلمسون الروح. لا يملكون أكثر من لحظة، لكنهم يمنحونها لنا بكامل حضورهم،
وكأنهم يقولون: “أنا هنا لأذكّرك بأنك لست وحدك.”
العجيب أننا لا نذكر ملامحهم دائمًا. ملامحهم
تذوب، لكن أثرهم يبقى. يبقى كضوء خافت في
آخر النفق، كصوت داخلي نسمعه حين تضيق بنا
الحياة ويشتد علينا الليل. هم لا يعرفون أنهم
غيّرونا، وربما رحلوا وهم يظنون أنهم لم يكونوا شيئًا. لكننا نعلم… نحن نعلم.
وأجمل من ذلك كله؟ أن نكون نحن، يومًا،
من هؤلاء الغرباء.
أن نقول الكلمة الطيبة في وقتها.
فنربت على كتف مجهول، أو أنصغى بصدق.</p>
أو نترك خلفنا أثرًا لا يحتاج إلى توقيع، ولا إلى ت
صفيق.
وأن نكون مجرد عبور… لكنه عبورٌ لا ينسى…!
![]()

حين تحوي الكلمات معاني عميقة، تصور لحظات صادقة، تسبر أغوار النفس، وتمس القلوب والوجدان. تحية للأستاذة الكاتبة: فاطمة صلاح.