الكاتبه نازك حكيم
منذ قديم الزمان، كان الإنسان يخشى الأمراض التي تسرق منه ذاته قبل جسده، وكان من أكثرها رهبةً مرض الزهايمر؛ ذلك المرض الذي لا يكتفي بإضعاف الجسد، بل يمتد ليطفئ نور الذاكرة، ويبعثر ملامح العقل والإدراك.
هذه ليست مجرد حكاية عن مرض، بل قصة إنسان… قصة “أبو علي”.
كان أبو علي رمزًا للعطاء، أبًا كادحًا أحب أبناءه كما تُحب الأرض زرعها. كان يراهم يكبرون أمام عينيه كل صباح، ويبتسم فخورًا بما زرعه من تعب وسنين.
كبر أبناؤه، وتفرقت بهم الطرق. كان ابنه الأكبر، أحمد، قد أصبح ضابطًا في الجيش العراقي، يحمل حلمًا ووطنًا على كتفيه. لكنه ذهب يومًا… ولم يعد. غيبته الحرب، وترك في قلب أبيه جرحًا لا يندمل.
لم تمضِ الأيام بسلام؛ فقد تتابعت المصائب كأنها قدرٌ لا يرحم. الابن الثاني وقع في الأسر، والثالث أصبح في عداد المفقودين، أما الرابع فقد قُتل على أيدي من لا يعرفون الرحمة. توالت الفواجع، حتى صار قلب الأب مثقلًا بما لا يُحتمل.
ومع كل هذا الألم، بدأ جسده ينهار، وأصابته أمراض القلب، ثم جاء الزهايمر ليكمل ما بدأه الحزن.
بلغ أبو علي المئة من عمره، لكنه لم يعد كما كان. جلس بلا حراك، لا يقوى على الحركة، ولا على تذكّر تفاصيل حياته. نسي الوجوه، ونسي الأسماء، ونسي الأيام… لكنه لم ينسَ الألم.
كان ينظر أحيانًا بعينين غارقتين في الفراغ، وكأن روحه تبحث عن أبنائه في ذاكرةٍ لم تعد موجودة.
الزهايمر لا يصيب القلب، لكن ما مرّ به أبو علي أثبت أن القلب، حين يُكسر مرارًا، يترك أثره في العقل، فيسلبه توازنه وذكرياته.
هذه ليست قصة رجلٍ واحد، بل حكاية وطنٍ مليءٍ بالوجع، حكاية آباءٍ وأمهاتٍ أرهقتهم الحروب، وسرقت منهم أبناءهم، ثم تركتهم يواجهون الشيخوخة والمرض وحدهم.
إنها حكاية تُدمي القلب، وتُثقل الروح، لكنها تظل شاهدًا على صبر الإنسان، وعلى وجعٍ لا يُنسى.
![]()
