الكاتبة عاليا عجيزة
عندما نتأمل ملامح الطفولة البريئة، تقفز إلى أذهاننا فورًا صور البهجة والعفوية المطلقة؛ تلك الضحكات الصافية، والأيدي الصغيرة التي تتشابك في حلقات اللعب دون حسابات أو شروط.
في هذه المرحلة العمرية، يظن الكثيرون أن علاقات الأطفال هي مجرد “تسلية مؤقتة” تنتهي بانتهاء وقت اللعب، وأن جروحها تلتئم بمجرد الذهاب إلى النوم. لكن علم النفس الاجتماعي يكشف لنا حقيقة مغايرة تمامًا وأكثر عمقًا؛ فالصداقة الأولى ليست مجرد تسلية، بل هي “المعمار الهيكلي” الذي يبني عليه الطفل نظرته لنفسه وللعالم.
وعندما يتلوث هذا المعمار بصداقة سيئة أو سامة، فإن الأثر لا يرحل برحيل الطفولة، بل يمتد كظل طويل يشوه ملامح الشخصية، ويرسم مسارات الحياة الكاملة للإنسان عندما يكبر.
إن أول ما يصيبه التلف في شخصية الإنسان البالغ الذي نشأ في ظل صداقة طفولة سيئة، هو قدرته على بناء علاقات صحية. ففي الصغر، يتعلم الطفل مفهوم “الأمان الاجتماعي” من خلال صديقه. فإذا كان هذا الصديق متلاعبًا، أو خائنًا لعهود الطفولة الصغيرة، أو يمارس التنمر والنبذ مستغلًا براءة تفكيره، فإن الطفل يطور لا شعوريًا ما يسمى في علم النفس الاجتماعي بـ”مخططات الشك المزمن”.
وعندما يكبر هذا الطفل ويصبح شابًا أو رجلًا، أو تصبح الفتاة امرأة بالغة، يتحول ذلك الخوف القديم إلى جدار عازل يمنعهم من الثقة في أي إنسان. يعيش هذا البالغ في حالة ترقب دائم للصدمة، ويفسر نظرات الإعجاب أو محاولات التودد من زملائه أو شريك حياته على أنها “فخ”، أو محاولة مستترة للاستغلال.
والأخطر من ذلك هو ميله السيكولوجي اللاواعي للوقوع في حب أشخاص نرجسيين أو متسلطين؛ ذلك لأن العقل يميل إلى إعادة إنتاج البيئة المألوفة له، حتى لو كانت مؤذية. لقد ارتبط مفهوم “الاهتمام” في طفولته بالخضوع والتنازل، فيكبر ليبحث عن النمط نفسه في علاقاته العاطفية، مستسلمًا لدائرة مفرغة من الأذى.
اهتزاز الهوية وسجن “إرضاء الآخرين”
الصداقة البريئة تعمل كمرآة نفسية؛ يرى الطفل فيها قيمته وجدارته بالحب. أما الصديق السيئ، فيمنح الطفل مرآة مكسورة ومشوهة، تلازمه صورتها حتى بعد مرور عقود.
ينضج هذا الطفل ليصبح شخصية تُعرف في الأوساط النفسية بـ”شخصية إرضاء الآخرين” (People Pleaser). هذا الشخص البالغ يحمل في أعماقه رعبًا دفينًا من النبذ والرفض الاجتماعي. وفي سبيل أن يتم قبوله في بيئة العمل، أو بين الأصدقاء الجدد، أو حتى داخل الأسرة، تجده يضحي برغباته، وحقوقه، ووقته، عاجزًا تمامًا عن قول كلمة “لا”.
إنه يعيش بعقدة الذنب المزمنة، ويبذل جهدًا خرافيًا لإرضاء الجميع؛ خوفًا من أن يستيقظ يومًا ليجد نفسه وحيدًا ومنبوذًا، تمامًا كما كان يفعل معه صديق طفولته عندما كان يهدده بالخصام والابتعاد إذا لم ينصع لأوامره. هذه التبعية النفسية تفقد الإنسان احترامه لذاته، وتجعله يعيش حياة لا تشبهه، بل تشبه ما يريده الآخرون منه.
المسار المهني: صراع بين الانسحاب والعدوانية
لا تتوقف تداعيات تلك الصداقة السامة عند حدود الحياة الشخصية، بل تضرب بجذورها في العمق المهني والعملي للإنسان البالغ. فالأطفال الذين تعرضوا للاستبداد السلوكي من قِبل أقرانهم يكبرون غالبًا ولديهم اضطراب في مهارات القيادة والعمل الجماعي، وينقسمون في بيئات العمل إلى مسارين متطرفين:
المسار الانكماشي:
وفيه يميل الشخص إلى الانعزالية الشديدة في عمله، متجنبًا طرح أفكاره الإبداعية أو المبادرة بقيادة المشاريع؛ خوفًا من التعرض للنقد أو السخرية، مما يجعله دائمًا في الظل، بالرغم من كفاءته العالية.
المسار العدواني:
وفيه يتبنى الشخص سلوكًا هجوميًا استباقيًا مع زملائه في العمل؛ فهو يرى كل زميل كـ”عدو محتمل”، أو كصديق طفولته القديم الذي يريد السيطرة عليه، فيتعامل بجفاف وندية مفرطة تحرمه من بناء شبكة علاقات مهنية تدعم تقدمه وتطوره الوظيفي.
في نهاية المطاف، تتجمع كل هذه الندوب لتصوغ جودة الحياة الإجمالية لهذا البالغ. وتشير الدراسات الطولية في علم النفس الاجتماعي إلى أن الإيذاء النفسي من قِبل الأقران في مرحلة الطفولة يتساوى في خطورته وأثره الممتد مع سوء المعاملة الوالدية.
يكبر هذا الإنسان وهو أكثر عرضة للإصابة بالقلق الاجتماعي والاكتئاب. والأقسى من ذلك كله هو شعوره الدائم بما يُعرف بـ”الوحدة الوجودية”؛ فقد يكون ناجحًا في عمله، ولديه عائلة، ومحاطًا بالناس في الحفلات والمناسبات، لكنه من الداخل يعيش في عزلة تامة.
لقد بنى حاجزًا نفسيًا سميكًا حول قلبه؛ لحماية نفسه من التعرض للأذى مجددًا، وهذا الحاجز الذي يحميه من الألم، يحرمه في الوقت ذاته من تذوق طعم الدفء الإنساني الصادق والاتصال الحقيقي بالبشر.
إن تشابك الأيدي العفوي الذي نراه في الطفولة، كما في الصورة، يضعنا أمام مسؤولية أخلاقية وتربوية مرعبة.
فالصداقة السيئة في الصغر ليست مجرد حكاية عابرة تُنسى مع الوقت، بل هي أشبه بسم بطيء يُحقن في جذور الشجرة؛ فكلما كبرت الشجرة وتفرعت أغصانها في الحياة البالغة، تغلغل ذلك السم في خشبها، ليوجه مسار حياتها إما نحو الذبول والتعثر، أو نحو الانكسار أمام أول عاصفة اجتماعية.
إن حماية الأطفال من الصداقات السامة هي، في حقيقتها، صياغة لمجتمع أكثر رشدًا، وأمانًا، وسلامًا نفسيًا في المستقبل.
![]()
