الكاتبه أمل سامح
— هل تشعرين بالانزعاج لأنه قد نسيك؟
= لا، لا أظن أن النسيان هو ما يؤلمني. فبعض الأشخاص لا يمكن أن يُنسَوا بسهولة، ولا أعتقد أن ما كان بيننا يمكن أن يمر مرور العابرين. هناك أشياء تترك أثرها في الروح، وتبقى عالقة في الذاكرة مهما حاولنا تجاوزها.
— وعندما تلتقين به، ماذا تشعرين؟
= وهنا تكمن المفارقة المؤلمة…
أشعر أن الأمر أصبح عاديًا للغاية.
رغم أن قلبي كان يرتجف يومًا لمجرد سماع اسمه.
ورغم أن رؤيته كانت كفيلة بأن تقلب عالمي كله.
كنت أشعر وكأن قلبي يركض نحوه قبل أن تخطو قدماي خطوة واحدة.
أما الآن…
فلم يعد شيء يحدث.
لا ارتباك.
لا رعشة.
لا تلك الفوضى الجميلة التي كان يتركها في داخلي.
وهذا أكثر ما يخيفني.
لأن المشاعر حين تموت لا تُحدث ضجيجًا، بل تنطفئ بصمت.
— هل تعتبرينه غريبًا الآن؟
= أصدقك القول…
إن وصفه بالغريب كان من أصعب الأشياء التي اضطررت للاعتراف بها.
فكيف يمكن أن يصبح غريبًا شخص كان يومًا منزلي؟
شخص كنت أهرب من العالم كله إليه؟
شخص شاركته أسراري، وخوفي، وأحلامي الصغيرة؟
كان وطني الذي أنتمي إليه.
وكان المرآة التي أرى فيها نفسي.
بل كان أقرب إليّ من نفسي أحيانًا.
لكن الحقيقة المؤلمة…
أنني أستطيع الآن أن أقولها:
نعم، لقد أصبح غريبًا.
— وما الذي جعله غريبًا؟
= لأن البيت تهدّم.
والوطن لم يعد وطني.
والمرآة التي كنت أرى فيها نفسي تحطمت.
الأشياء لا تصبح غريبة فجأة.
بل تتغير تدريجيًا، حتى يأتي يوم تنظر فيه إلى شخص كنت تحفظ تفاصيله عن ظهر قلب، فتشعر أنه لم يعد يعرفك، ولم تعد تعرفه.
— رغم هدوئك، أشعر أن في صوتك حزنًا كبيرًا.
= وكيف لا أحزن؟
لقد أحببته بصدق.
ومن خلاله فهمت معنى الحب الذي كان الناس يتحدثون عنه.
كنت أرفض مجرد التفكير في الفراق.
كنت أتعامل معه وكأنه مستحيل الحدوث.
وكأن الحياة لا يمكن أن تجرؤ على أخذه مني.
لهذا يؤلمني أن أصبح اليوم عاجزة عن الوصول إليه.
ويؤلمني أكثر أنني لم أعد أستطيع الاعتماد عليه كما كنت أفعل.
— هل كان يؤذيك؟
= لا…
وهذا ما يجعل الأمر أكثر تعقيدًا.
لم يكن مجرد شخص أحبه.
كان الملجأ الذي أهرب إليه حين تضيق بي الحياة.
كان الحنان في أكثر أيامي قسوة.
وكان طوق النجاة في لحظات كثيرة كدت أغرق فيها.
— وهل ما زال غريبًا حتى الآن؟
= سيظل غريبًا…
لكن هناك أشياء لا تستطيع الغربة انتزاعها من القلب.
سيظل هناك مكان يحمل اسمه.
وسيظل هناك شعور لا يشبه أي شعور آخر عرفته من قبل.
فبعض الأشخاص قد يرحلون من حياتنا…
لكنهم لا يرحلون من أرواحنا.
وقد يصبحون غرباء في الواقع…
لكن ذكراهم تبقى مألوفة إلى حد الوجع.
ولهذا أحزن.
ليس لأنه أصبح غريبًا فقط…
بل لأن الشخص الذي كان يومًا وطنًا كاملًا بالنسبة لي،
أصبح الآن مجرد عابر طريق.
وما أقسى أن ترى وطنك واقفًا أمامك…
ولا تستطيع العودة إليه.
![]()
