...
IMG 20260627 WA0008

مقال صحفي من مجلة الرجوة المعتمد

مقال اليوم رقم (2)

بقلم الصحفي عبد الرحمن شعبان سعد

 

من الغريب أن كلمة صغيرة مثل “آسف” أصبحت عند كثير من الناس من أصعب الكلمات التي يمكن أن تُقال، رغم أنها لا تستغرق سوى ثوانٍ قليلة. فهناك من يفضل خسارة صديق، أو تدمير علاقة أسرية، أو استمرار خلاف لسنوات، على أن يعترف بخطئه ويعتذر عنه.

ولعل المشكلة ليست في الاعتذار نفسه، وإنما في الفكرة الخاطئة التي ترسخت في أذهان البعض، وهي أن الاعتذار ضعف، أو أنه يُنقص من مكانة الإنسان، أو يمنح الطرف الآخر فرصة للتكبر عليه. بينما الحقيقة أن الاعتذار الصادق لا يصدر إلا من شخص يمتلك شجاعة الاعتراف بالخطأ، وثقة كافية في نفسه تجعله يفضل إصلاح العلاقة على الانتصار لرأيه.

في حياتنا اليومية نرى كثيرًا من المواقف التي كان يمكن أن تنتهي في دقائق لو خرجت كلمة اعتذار صادقة من القلب. زوجان يستمران في الخصام أيامًا بسبب كلمة قاسية، وصديقان تنتهي بينهما سنوات من المودة لأن أحدهما رفض الاعتراف بأنه أخطأ، وأخوة يبتعدون عن بعضهم سنوات بسبب موقف بسيط كبر مع الوقت لأن الكرامة الزائفة منعت أحدهم من أن يقول: “لقد أخطأت.”

إن الاعتذار لا يمحو الخطأ فقط، بل يمنع تراكم الجراح. فكل خلاف لا يُحل يترك أثرًا في النفوس، ومع مرور الوقت تتحول المواقف الصغيرة إلى حواجز كبيرة يصعب تجاوزها. ولذلك فإن المجتمعات التي تنتشر فيها ثقافة الاعتذار تكون أكثر استقرارًا، لأن أفرادها يفضلون إصلاح العلاقات على كسب المعارك الشخصية.

كما أن الإنسان الذي يعتذر لا يخسر احترام الناس، بل غالبًا ما يكسبه. فالناس بطبيعتهم يحترمون الشخص الذي يتحمل مسؤولية أفعاله، ويعترفون بأن الكمال ليس من صفات البشر، وأن الخطأ وارد من الجميع، ولكن الفرق الحقيقي بين الناس هو طريقة التعامل مع هذا الخطأ.

الحلول العملية والإيجابية

إذا أردنا أن نجعل الاعتذار ثقافة في حياتنا، فهناك خطوات عملية تساعد على ذلك.

أولًا: اعترف بالخطأ فور اكتشافه.

كلما تأخر الاعتذار، أصبح أصعب، وأصبح الطرف الآخر أكثر ألمًا. فلا تنتظر حتى تتعقد الأمور.

ثانيًا: اعتذر دون تبريرات كثيرة.

الاعتذار الحقيقي لا يبدأ بكلمة “لكن”. فإذا قلت: “أنا آسف… لكنك استفززتني”، فأنت في الحقيقة لم تعتذر، بل نقلت الخطأ إلى الطرف الآخر.

ثالثًا: صحح الخطأ إن استطعت.

إذا كان خطؤك سبب خسارة أو ضرر لشخص، فحاول إصلاح ما أفسدته، لأن الأفعال أحيانًا تكون أبلغ من الكلمات.

رابعًا: تعلم أن تسامح كما تحب أن يُسامحك الآخرون.

فالإنسان الذي يرفض كل اعتذار قد يجد نفسه يومًا في حاجة إلى من يقبل اعتذاره.

خامسًا: ربِّ أبناءك على ثقافة الاعتذار.

عندما يخطئ الطفل ويعتذر، لا تسخر منه، بل شجعه، حتى ينشأ وهو يعلم أن الاعتذار خلق كريم وليس هزيمة.

أمثلة من الواقع

مدير اكتشف أنه ظلم أحد موظفيه أمام زملائه، فاعتذر له أمام الجميع. لم تنقص مكانته، بل ازداد احترام العاملين له، لأنهم رأوا فيه قائدًا عادلًا لا يخجل من تصحيح خطئه.

وفي أسرة أخرى، أخطأت أم في حق ابنتها بسبب سوء فهم، ثم اعتذرت لها بعد أن عرفت الحقيقة. ذلك الاعتذار البسيط جعل الابنة تشعر بقيمتها، وعزز الثقة بينهما، وأثبت أن الحب الحقيقي لا يمنع الاعتذار.

أما في المقابل، فكم من صداقات انتهت، وكم من أسر تفككت، وكم من علاقات انقطعت، لأن كل طرف كان ينتظر الآخر ليبدأ بالاعتذار.

الرؤية الإسلامية

جاء الإسلام داعيًا إلى التواضع والإصلاح بين الناس، وعدم الإصرار على الخطأ.

قال الله تعالى:

﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾
[سورة آل عمران: 134]

وقال سبحانه:

﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾
[سورة الشورى: 40]

وتبين هذه الآيات أن الإصلاح والعفو من الأخلاق التي يحبها الله، وأن الرجوع عن الخطأ فضيلة وليس نقصًا.

من الأحاديث النبوية الصحيحة

قال رسول الله ﷺ:

«كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون.»
(رواه الترمذي وحسنه)

وقال ﷺ:

«لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث.»
(متفق عليه)

وتدل هذه الأحاديث على أن الخطأ طبيعة بشرية، لكن الخير كل الخير في الرجوع عنه، والمبادرة إلى إصلاح ما أفسده الإنسان.

الرؤية المسيحية

يدعو الكتاب المقدس إلى المصالحة والتواضع وطلب السلام.

جاء في إنجيل متى:

«طوبى لصانعي السلام، لأنهم أبناء الله يُدعون.»
(متى 5: 9)

وجاء في رسالة أفسس:

«كونوا لطفاء بعضكم نحو بعض، شفوقين، متسامحين كما سامحكم الله أيضًا.»
(أفسس 4: 32)

من تعاليم السيد المسيح والرسل

قال السيد المسيح:

«فإن قدمت قربانك إلى المذبح، وهناك تذكرت أن لأخيك شيئًا عليك، فاترك قربانك… واذهب أولًا اصطلح مع أخيك.»
(متى 5: 23-24)

وقال الرسول بولس:

«إن كان ممكنًا، فحسب طاقتكم، سالموا جميع الناس.»
(رومية 12: 18)

وتؤكد هذه التعاليم أن المبادرة إلى الصلح والاعتذار من أسمى الأخلاق الإنسانية والدينية.

خاتمة

إن الاعتذار ليس كلمة تُقال لإرضاء الآخرين فقط، بل هو دليل على نضج الإنسان، واحترامه لنفسه قبل احترامه لمن حوله. فالقوي ليس من يرفض الاعتذار، وإنما من يمتلك الشجاعة ليعترف بخطئه، ويسعى إلى إصلاحه. وعندما تصبح ثقافة الاعتذار جزءًا من حياتنا، سنجد أن كثيرًا من الخلافات التي تُرهق قلوبنا كان يمكن أن تنتهي بكلمة صادقة خرجت في الوقت المناسب.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *