بقلم د. فتحي عبد الحميد
ليست كل فكرة شائعة حقيقة
وليست كل عبارة يرددها الناس دليلا
فالجهل لا يتحول إلى علم بكثرة مريديه
كما أن الباطل لا يكتسب الشرعية لمجرد أن يخوض الحديث فيه .
ومن أغرب ما في أزمة تعيين حملة الماجستير والدكتوراه
أن كثيرا ممن يقحمون أنفسهم فيها يحفظون الإجابات قبل أن يفهموا التساؤلات
يكررون الشعارات وكأنها نصوص مقدسة لا تقبل المراجعات
فإذا ناقشتهم اكتشفت أنهم لا يدافعون عن فكرة يؤمنون بها بل عن مكانه يقصدونها .
ولهذا
كان لزاما أن نعرض أشهر الحجج التي تثار ضد قضية حملة الماجستير والدكتوراه ثم نعرضها على ميزان العقل والقانون لا على ميزان اهواء المغيبون .
أولا
يقولون :
أن حملة الماجستير والدكتوراه لا يستحقون التعيين فالمؤهل العلمي ليس دليلا على الكفاءة والدولة غير ملزمة بتعيين أحد .
ونقول/
حقا ان المؤهل وحده لا يجعل صاحبه صالحا لكل الوظائف وأن الكفاءة مفهوم أوسع من مجرد الشهادة .
ولكن لماذا تمنعون غير المتخصصين من ممارسة المهن أو الوظائف أو الإفتاء فى أمور الدين أو غيرها من المهن المتخصصة بحجة أنه ليس من أهل الإختصاص الأكاديمي ؟
كيف يصبح التخصص شرطا حين يتعلق الأمر بغيرنا ثم يتحول فجأة إلى أمر لا قيمة له حين يتعلق بحملة الماجستير والدكتوراه ؟
إنها ازدواجية لا يقرها عقل ولا يقبلها منطق.
وعلى كل .. نحن لا نزعم أن كل من هو حامل للماجستير أو الدكتوراه يصلح لكل أو لأى عمل . ولذلك نقول ان التخصص العلمي العميق يمثل أحد أهم معايير الكفاءة في مجال تخصصه وأن من المنطقي أن تستفيد الدولة من أصحاب التخصص في مواقع تخصصهم لا أن يتم تعيينهم فى مجالات مغايره أو أن تهملهم الدولة ثم تبحث عن الخبرة في غير موضعها.
ولا شك أن مثل هولاء من أصحاب الكفاءة العلمية لديهم استعداد أكثر ممن هم أقل منهم درجة علمية فى التدريب على مستحدثات العصر ومتطلباته الرقمية
فلا يليق أن يتركوا ويتم تدريب جديد التطورات لمن هم أقل منهم بحجه المواكبه .
فالجامعات لم تمنح هذه الدرجات لتعلق على الجدران وإنما لتتحول إلى قيمة مضافة للدولة والمجتمع.
ثانيا
يقولون :
الجهاز الإداري للدولة مترهل ومكتظ بالموظفين ولا يحتمل تعيين أحد.
ونقول/
هذه من أكثر العبارات تداولا وأقلها تفكرا.
فالعجيب أن بعض المقحمون أنفسهم يرددونها كما يردد الطفل الكلمات ولا يسألون أنفسهم عن مدى صحتها.
وكأن الجهاز الإداري كائن أسطوري لا يشيخ ولا يموت ولا يحال أحد من العاملين فيه إلى المعاش ولا يستقيل ولا تنتقل إليه جديد الاختصاصات ولا تنشأ أجهزة جديدة فى مختلف المجالات.
والحقيقة التى لا يتناولونها أن آلاف العاملين يخرجون سنويا إلى المعاش فضلا عن حالات الوفاة والاستقالة وإنهاء الخدمة وغيرها من أسباب انتهاء العلاقة الوظيفية.
كما أن الدولة نفسها أعلنت خلال السنوات الماضية احتياجات وظيفية
فعليه.
فما بالكم وقد توقف التعيين منذ العام ٢٠١٥ وحتى العام الجارى ٢٠٢٦
أيعقل أن يكون الجهاز الإدارى للدولة مازال مكتظا .أم ان الواقع يقول أنه أصبح فى حالة عجز صارخ وعوز فعلى لشغل الوظائف فيه .
ثم إن القضية لا تقف عند حدود الجهاز الإداري وحده.
فهناك هيئات وأجهزة ومؤسسات وقطاعات حكومية عديدة لا تخضع جميعها لقانون الخدمة المدنية أو ما يسمى بالجهاز الإدارى للدولة وانما هناك أجهزة وقطاعات ومؤسسات ومصالح حكومية تخضع لمسميات أخرى مثل القطاعات والهيئات المستقلة وأخرى غيرها ذات طبيعة خاصه فضلا عن الجامعات بأنواعها ولكل من هذه وتلك وذاك نظمها القانونية الخاصة في التعيين والإدارة والتمويل.
وهناك هيئات اقتصادية وقطاعات حيوية وأجهزة رقابية وجهات قضائية وأخرى سيادية ومؤسسات عامة عديدة … وغيرها من الجهات التي تنظم شؤونها قوانين مستقلة عن الجهاز الإدارى للدولة وعن قانون الخدمة المدنية .
ولهذا فإن اختزال القضية كلها في عبارة الجهاز الإداري مكتظ بالموظفين ليس تحليلا دقيقا وإنما اختصار مخل ومجحف يخفي أكثر مما يبدى .
ونحن لا نطالب بحصر التعيين في جهة واحدة بل نطالب بالاستفادة من حملة الماجستير والدكتوراه في مختلف مؤسسات الدولة ما يخضع منها للجهاز الإدارى وما يخضع للهيئات والقطاعات المستقلة وما يكون ذات طبيعة خاصه .. وبناء على احتياجات الدولة الفعلية ووفقا لتخصصاتهم العلمية الأكاديمية .
ثالثا
يقولون:
الميزانية لا تسمح والدولة لا تستطيع تعيين حملة الماجستير والدكتوراه.
ونقول/
هنا تبلغ الطرفة ذروتها.
فالميزانية عند بعض الناس أصبحت كائنا غيبيا يستدعى كلما عجز أحد عن إقامة الدليل.
إذا سألته أين الدراسات قال الميزانية.
وإذا سألته أين الأرقام قال الميزانية.
وإذا سألته أين البدائل قال الميزانية.
حتى خيل إلينا أن الميزانية لم تعد نظاما ماليا وإنما تعويذة تكفي لإسكات أي نقاش.
والحقيقة أن الدولة لا تعتمد على مصدر مالي واحد.
فهناك الموازنة العامة أو الميزانية كما يقولون
وهناك جهات تعتمد على مواردها الذاتية
وهناك هيئات اقتصادية وصناديق خاصه وأشكال متعددة من التمويل تختلف بحسب طبيعة كل جهة والقوانين المنظمة لها.
ومن ثم فإن تصوير الأمر وكأن كل وظيفة في الدولة لا بد أن تمر عبر باب واحد من أبواب الموازنة العامة تصوير غير دقيق.
ثم إن كثيرا من الجهات الحكومية تمول جزءا كبيرا من احتياجاتها من مواردها الخاصة ولا تشكل عبئا مباشرا على الموازنة العامة للدولة .
ولهذا فإن مناقشة ملف التعيين يجب أن يتحلى بقدر عالى من الشفافية والمصداقية لا أن يقوم على تجهيل الحقائق وحجبها وتصدير فصيل واحد منها وتزييفها .
وختما نقول /
إن قضية حملة الماجستير والدكتوراه ليست قضية امتيازات ولا بحثا عن استثناءات بل هي قضية حسن استثمار للعقول التي أنفقت الدولة والمجتمع سنوات طويلة في إعدادها.
فنحن لا نطالب بإهدار مبدأ الكفاءة بل نطالب بتطبيقه.
ولا نطالب بتجاوز القانون بل نطالب بتفعيله.
ولا نطالب بوظائف وهمية
بل نطالب بالنظر الموضوعي إلى احتياجات الدولة الفعلية
في مختلف قطاعاتها والاستفادة من أصحاب التأهيل العلمي حيث تكون الحاجة إليهم حقيقية .
فالأمم لا تنهض حين تزدري المعرفة
ولا تتقدم حين تترك العقول على الأرصفة
ثم تبحث عن التنمية.
ولعل أخطر ما يهدد أي قضية عادلة
ليس قوة خصومها
وإنما كثرة الذين يتحدثون عنها بغير علم.
فالجاهل لا يهزم الحقيقة ولكنه قد يؤخر وصولها.
أما الحقيقة فإن لها عادة قديمة لا تتغير…
أنها تصل متأخرة أحيانا لكنها تصل دائما.
![]()
