الكاتبة عاليا عجيزة
في أعماق الروح، حيث تتراكم ذرات الألم وتتكدس انكسارات الأيام، تبرز الحقيقة كأنها نحتٌ على صخرٍ صلد، حقيقةٌ اختصرتها الصورة في كلماتٍ قليلة، لكنها تحمل في طياتها مآسي أعمارٍ كاملة.
> “علمتني الحياة أن أبكي في زاوية لا يراني فيها أحد، ثم أمسح دمعتي وأخرج للناس مبتسمًا.”
هذه ليست مجرد جملة، بل هي فلسفة الوجود القاسية التي يفرضها علينا النضج، حين ندرك أن ضعفنا صار ترفًا لا نملكه، وأن انكسارنا أمرٌ يجب أن نغلفه ببريقٍ زائف من الصمود.
تلك الزاوية ليست مجرد ركنٍ في غرفتي، بل هي ملاذٌ روحي في فضاءٍ من العزلة. هناك، حين أختبئ من عيون العالم، أشعر ببرودة الجدران تتسلل إلى جسدي، تطابق برودة الوحدة التي تجمد أنفاسي. في تلك اللحظة، لا أحتاج إلى التظاهر، ولا أحتاج إلى قناع القوة الذي أرتديه طوال النهار.
تتساقط الدموع، ليس كنقاط ماء، بل كشظايا من قلبي الذي أنهكه حمل التوقعات ومسؤوليات الحياة التي لا تنتهي. إنه بكاءٌ صامت، بكاءٌ يحرق الحناجر، بكاءٌ يُفرغ كل ما تكدس من مرارة، وشعورٌ بالتخلي عن كل شيء؛ عن نفسي، وعن أحلامي، وعن قدرتي على المواجهة. هو إدراكٌ مرير بأن العالم لا يهتم بدمعتي، بل يريد فقط أن يرى ابتسامتي.
في ذلك الانكسار، يمتزج الألم بالخزي. أتساءل: لماذا يجب أن أخفي حزني؟ لماذا صار الحزن جريمةً نرتكبها في حق المحيطين بنا؟ إنها تلك المعادلة الصعبة التي تفرضها علينا الحياة؛ أن نكون حاضرين، ومتألقين، ومبتسمين، مهما كان حجم الخراب الذي يشتعل في دواخلنا.
وأنا في هذه الزاوية، أشعر بثقل ذلك القناع الذي سأضطر إلى ارتدائه بعد لحظات. إنه ثقلٌ يضغط على صدري، ويمنعني من التنفس بعمق، وكأن الحياة تقول لي: “لك الحق في الانكسار، ولكن ليس أمام أحد.”
ثم تأتي اللحظة الحاسمة.
اللحظة التي تسبق الخروج. في الصورة، تتجلى هذه اللحظة في التحول من عمق الألم إلى السطحية المطلوبة اجتماعيًا. أمحو دمعتي بيدي المرتجفة، ليس لأن الحزن قد انتهى، بل لأن المهمة بدأت.
أقف أمام المرآة، أستجمع شتات نفسي، وأرسم ابتسامةً باهتة لا تصل إلى عيني، لكنها تقنع العالم. في تلك اللحظة، أشعر بانفصامٍ حاد بين ما أشعر به وما يراه الآخرون. هو نوعٌ من الخداع المقدس، نمارسه لنحمي أنفسنا من نظرات الشفقة، أو الاستغراب، أو حتى اللوم.
الخروج للناس بعد تلك النوبة هو أصعب فعلٍ أقوم به يوميًا. أتحرك في عالمٍ يظن أنني بخير، بينما أنا أحمل جثث أحلامي في حقيبةٍ مخفية خلف ظهري. أبتسم للغرباء، وأضحك على النكات الباهتة، وأمارس دوري بإتقان، بينما قلبي لا يزال عالقًا في تلك الزاوية المظلمة. إنها غربةٌ لا تضاهيها غربة؛ أن تكون محاطًا بالبشر، ولكنك تشعر بأنك في كوكبٍ آخر، كوكبٍ لا يفهم لغة الوجع الذي تعيشه.
هذا التناقض هو ما يجعلني أحيانًا أشعر بالإنهاك الذهني. الحياة تعلمك أن القوة ليست في عدم البكاء، بل في كيفية إخفائه، وهذا، في حد ذاته، هو أقصى أشكال الضعف؛ أن تعيش في خوفٍ دائم من أن تكتشف عيون الآخرين حقيقة ما تمر به. إن التزام الصمت، وتغطية الجروح بابتساماتٍ بلا روح، هو تضحيةٌ يومية من أجل السلام الاجتماعي، على حساب السلام النفسي.
في النهاية، تظل الصورة تذكارًا حزينًا ومخلصًا. تذكرني بأنني لست وحدي في هذا الصراع، وأن ملايين البشر يمارسون الطقوس ذاتها كل يوم.
نمسح دموعنا، ونبتسم، ونواصل السير في دروب الحياة، حاملين في داخلنا تلك الزوايا السرية التي نعود إليها؛ لنبكي ما لا يمكننا البوح به، ولنستعد لجولةٍ أخرى من التظاهر. إنها دورةٌ أبدية، تعلمنا فيها الحياة، بكل قسوتها، أن الصمود هو مجرد مسرحيةٍ نؤدي أدوارها بامتياز، حتى وإن كان الجمهور لا يرى إلا ما يريد رؤيته، لا ما نعيشه حقًا.
![]()
