الكاتبة: عاليا عجيزة
لم يكن إلياس يبحث عن كتابٍ عادي، بل كان يقتفي أثر شائعة قديمة تداولها الورّاقون في أزقة المدينة العتيقة؛ شائعة تتحدث عن “مكتبة تولد من الأرض”. لطالما اعتقد أن الأمر لا يتعدى كونه مجازًا أدبيًا وضعه كاتبٌ أصابه الهوس بجمع المخطوطات، حتى قادته خطواته، في تلك الليلة الماطرة، إلى سردابٍ مخفي أسفل قبو جده الراحل. خلف جدارٍ متآكل انهار بفعل الرطوبة، لم يجد غبارًا ولا ركامًا، بل وجد نفسه واقفًا في ردهة تفوح منها رائحة الورق العتيق الممتزج بطمى الأرض بعد المطر.
في قلب تلك الغرفة المظلمة، لم تكن هناك رفوف خشبية من صنع نجار، بل كان هناك كيان حيٌّ يتنفس الصمت. جذع شجرة ضخم، أسود كالفحم، ضرب بجذوره العميقة في أرضية الحجر الصامتة، وامتدت أغصانه الملتوية لتلتهم الجدران صعودًا نحو السقف. لم تكن الأغصان تحمل ثمارًا، بل كانت تتشكل بطريقة إعجازية لتحتضن مئات المخطوطات والكتب المجلدة بالجلد الفاخر، وكأن الخشب نما خصيصًا ليكون غلافًا وحاميًا لهذه المعرفة.
تقدم إلياس بخطوات متهيبة، يسمع صرير خشب الأرضية تحت قدميه متناغمًا مع نبضٍ خفي شعر به يتدفق من الشجرة نفسها. مد يده المرتجفة نحو أحد الأغصان السفلية؛ لم يكن اللحاء باردًا كما توقع، بل كان دافئًا، يحمل حرارة طفيفة تشبه حرارة جسدٍ بشري. عندما لامست أصابعه كعب كتابٍ قديم مستقر في تجويف الغصن، شعر بذبذبة خفيفة تسري في جسده، وكأن تيارًا من الكلمات غير المرئية يعبر من الورق إلى دمه.
تذكر إلياس وصية جده المبهمة: “المعرفة لا تُخزن يا بني، المعرفة تُزرع، وإذا لم تجد من يسقيها بفضوله، تحولت إلى حطب يابس.” الآن فقط فهم المغزى. هذه الشجرة لم تكن مجرد قطعة أثاث غريبة، بل كانت كائنًا هجينًا وُلد من زواج السحر بالكلمة المكتوبة. كل كتاب على هذه الأغصان لم يكن مرتبًا أبجديًا، بل كان مرتبًا حسب عمق المشاعر المخزنة بين صفحاته. الكتب في الأعلى، القريبة من الفروع التي نبتت عليها أوراق معدنية برونزية تشبه ألسنة اللهب الصغيرة، كانت دواوين شعر وقصص حب منسية، بينما استقرت المجلدات الضخمة والثقيلة، التي تحوي فلسفات الوجود وأسرار الخيمياء، في التجاويف القريبة من الجذور، حيث يشتد الضغط ويصعب الوصول.
بينما كان يتأمل هذا الكيان المذهل، لاحظ وجود فجوة دائرية في منتصف الجذع، كعينٍ عمياء تنظر إلى الفراغ، وبداخلها استقر كتاب واحد مفتوح، يضيء بنور باهت لا يُعرف مصدره. اقترب أكثر، وحبس أنفاسه وهو يقرأ السطور المكتوبة بمداد قرمزي. لم تكن السطور تتحدث عن الماضي، بل كانت تُكتب في تلك اللحظة بالذات. رأى اسمه يرتسم على الصفحة: “ودخل إلياس السرداب، حاملًا في قلبه حيرة السنين، باحثًا عن إجابة لم يجرؤ على صياغتها في سؤال…”
تراجع خطوة إلى الوراء، وقد تملكه رعب ممزوج بالذهول. الشجرة لا تحرس الكتب فحسب، بل هي تقرأ زائريها وتدون حيواتهم. التفت حوله، فرأى منضدة صغيرة سوداء مستقرة بجانب الجذع، وعليها بضعة كتب مكدسة، وإناء حبر جاف منذ عقود. بدا وكأن الحارس السابق لهذه المكتبة قد غادر فجأة، أو ربما… تحول هو الآخر إلى غصن جديد في هذه الشجرة، بعد أن استنزفت المعرفة سنين عمره.
شعر إلياس بالحاجة إلى ترك أثر، إلى إثبات أنه ليس مجرد عابر سبيل في هذه الرواية الحية. أخرج من معطفه دفتر مذكراته الصغير، الكتاب الوحيد الذي يملكه ويضم خطراته، وأفكاره، وخيباته. كان دفترًا بسيطًا مقارنة بتلك المجلدات الأثرية المهيبة. تقدم نحو غصن جانبي فارغ، يمتد كيدٍ مفتوحة تنتظر العطاء، ووضع دفتره برفق بين التواءات الخشب الأسود.
في تلك اللحظة، حدث ما لم يكن في الحسبان. سرت قشعريرة في أركان الغرفة، واهتزت الشجرة اهتزازًا خفيفًا تسبب في قعقعة خافتة بين الكتب. رأى إلياس، بأم عينيه، لحاء الشجرة يتحرك ببطء، ويلتف حول دفتره ويهضمه داخل نسيجه، بينما نبتت، في ليلتها، غصينات دقيقة جديدة من مكان الدفتر، وازدهرت عليها وريقات برونزية لمعت تحت الضوء الشحيح. لقد قبلت الشجرة قربانه، وضمت قصته إلى ذاكرتها الأبدية.
جلس إلياس على الأرض، مسندًا ظهره إلى الجذع الحي، ممسكًا بكتاب أخذه من أحد الرفوف الطبيعية. لم يعد يشعر بالخوف، بل بالانتماء. أدرك أن مهمته قد بدأت الآن؛ لن يكون مجرد قارئ، بل سيكون الساقي الجديد لهذه الجذور، يحميها من النسيان، ويغذيها بالفضول، حتى لا يجف الحبر في عروقها أبدًا.
![]()
