...
IMG 20260717 WA0002

 

الكاتبة: عاليا عجيزة

 

 

لا تتعلق حقيقة الموت بما يحدث للجسد تحت التراب، بل بما يتركه الغياب في الروح التي بقيت فوقه. لطالما كان الفقد صمتًا مدويًا، لا تكسره كلمات العزاء، ولا يجبر كسره محاولات النسيان. إنها اللحظة التي يدرك فيها المرء أن العالم الذي كان يشاركه فيه شخصٌ آخر قد فقد لونه، وأصبح مجرد مساحة واسعة من الفراغ.

 

لقد مرت ثلاثة أعوام على ذلك المساء الذي قرر فيه القدر أن يغير مسار حياتي إلى الأبد. لم أكن أبحث عن المواساة في زيارة المقابر؛ كنت أبحث فقط عن العذر لكي لا أكون مضطرة للتمثيل أمام الآخرين بأنني “بخير”. هناك، تحت شجرة البلوط العجوز، حيث يسكن الصمت الحقيقي، كان بإمكاني أن أنهار دون أن يلتفت أحد، أو يخبرني بعبارات مبتذلة عن القوة والصبر.

 

في ذلك اليوم، كان الضباب يلف المكان، وكأنه ستارة تُسدل على مسرحية انتهت فصولها. جلستُ على الأرض، وأسندتُ ظهري إلى الحجر البارد الذي يحمل اسم من أحببت، وأغمضت عيني. لم تكن الصلاة هي ما يحرك شفتي، بل كان العتاب. عتابٌ للحياة التي استمرت رغم رحيله، وعتابٌ لنفسي لأنني لا أزال قادرة على التنفس، بينما توقف هو عند تلك النقطة الزمنية القاسية.

 

في غمرة الانكسار، شعرت ببرودة غريبة تتسلل إلى كتفي، ليس بردًا جسديًا، بل إحساسًا بكيان غير مرئي يحيط بي. لم أفتح عيني في البداية، خوفًا من أن أكتشف أنني أتخيل ذلك بدافع الرغبة في الهروب من الواقع. لكن الشعور كان دافئًا، مألوفًا، كأنه لمسة روحية لا يمكن أن تخطئها ذاكرة القلب. كان الضغط الخفيف على كتفي يخبرني بلغة لا تحتاج إلى صوت: “أنا هنا، وإن لم تريني.”

 

فتحت عيني ببطء، لم أرَ أحدًا بشرًا، لكن الهواء من حولي كان مشحونًا بحضور يفيض بالحب. لم تكن تلك لحظة رعب، بل كانت لحظة توازن. أدركت حينها أن الفراق المادي ليس نهاية الارتباط. إننا نحمل من نحب في ثنايا أرواحنا، وهم -بشكل أو بآخر- يراقبون انكساراتنا، ويحاولون بكل ما أوتوا من قوة روحية أن يمسحوا عنا غبار الألم.

 

تأملتُ ذلك الحجر المنصوب، وفهمت أن الموت ليس عدوًا للحب، بل هو حالة جديدة من حالاته. إنه انتقال من الحضور الملموس إلى الحضور المطلق. في تلك اللحظة، توقفت عن البكاء، ليس لأن الحزن قد رحل، بل لأنني أدركت أنني لست وحيدة في هذا الوجود. إننا نعيش في عالم يتقاطع فيه الغيب مع الشهود، ولحظاتنا الأكثر ضعفًا هي التي تفتح لنا أبواب التواصل مع من رحلوا.

 

لقد تعلمت أن الاستمرار في الحياة ليس خيانة للراحلين، بل هو تخليد لذكراهم. إننا نعيش لنكون نحن الرواة لقصصهم، ولنكون نحن الامتداد لما تركوه من أثر. لا يرحل أحد حقًا طالما بقيت هناك روحٌ تذكر، وقلبٌ لا يزال يجد العزاء في لحظة اتصال روحية في مكان هادئ كالمقبرة.

 

غادرت المكان حين بدأ الضباب ينقشع قليلًا. كنت أعلم أنني سأعود إلى حياتي، وإلى عملي، وإلى مسؤولياتي، لكن شيئًا ما في داخلي قد تغير. لم يعد الفقد ذلك الجرح المفتوح، بل صار ندبة جميلة تذكرني بأنني كنت محظوظة بما يكفي لأعرف حبًا أسمى من حدود الحياة والموت. لقد تصالحت مع غيابه، وأيقنت أن الرحيل هو مجرد رحلة أخرى، وأننا في النهاية سنلتقي في مكان لا ضباب فيه، ولا قبور تفرقنا.

 

 

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *