الكاتبة: مريم لقطي
لم تكن تؤمن بالاحتلال أبدًا، فعقلها كان كله مقاومة.
هي فتاة ثائرة، وعيونها النارية تعكس ثورتها.
يوم السبت، كانت سحاب في لقاءٍ صحفي، وطلبت منها إحدى الصحفيات أن تعطي رأيها فيما يجري في فلسطين.
فراحت تسرد الواقع المرير، وانسابت الكلمات من بين شفتيها كالشلال.
“نحن نعيش في مجتمعٍ مُعاق، مُعيق ويُعيق، فيه يجور الظالم على حق الضعيف، والغني يأكل قوت الفقير، والسادة يتصارعون من أجل حكمٍ فاسد ولعبة كراسٍ مدروسة مسبقًا.
نعيش في مجتمعٍ فيه السارق يُمجَّد، ويموت الحق وينتصر الباطل.
نعيش في صمتٍ رهيب، ففلسطين تئن، ونحن نشاهد المجازر من خلف التلفاز دون حراك.
أرض الزيتون الخضراء أضحت اليوم مجزرةً تملؤها الدماء، فما ذنب الأطفال حتى يولدوا في جوٍّ تشوبه الحروب؟
لِمَ هم أبناء ألف جرحٍ وجرح؟
لِمَ هم أبناء الآهات والنكبات؟
هم كذلك ببساطة؛ لأن العالم العربي يصوّب في كل الاتجاهات ما عدا الاتجاه الصحيح.
وطنٌ عربي حاول من أجل فلسطين سنة 1948، فأُصيب بنكبة الهزيمة والانكسار، وأعاد المحاولة سنة 1967، فأصابته طلقات نكسة الخذلان والدمار، وساد الاحتلال فلسطين.
جئتكم أيها العرب أجر أذيال الخيبة.
جئتكم محملةً بأحزانٍ ثقال.
البيوت مدمرة، والعمارات مهدومة، والاحتلال اللعين ينهب ويسرق الحقوق والحريات جورًا وظلمًا.
فأيُّ شرعيةٍ هذه التي تُشرِّع كل هذا الظلم والخراب الحاصل بفلسطين؟
فيا طغاة الأرض، ويا أعداء الحياة، الطفولة قتلتموها، والمنازل أحرقتموها، والبراءة أُعدمت على يد الخداع.”
انتهت سحاب من التعبير عن الواقع المرير الذي يزيد من آلامها، فسألتها الصحفية عن أكثر الفئات ظلمًا.
ابتسمت ابتسامةً باهتة، وأجابت:
“الكل في فلسطين يعاني، الأسرى حالهم لا يسر، فالمرض أقعدهم، والجوع سيطر على أفئدتهم، فازدادت حالهم بؤسًا.
الأسير فاقد للحرية، وشوقه للوطن لا يُحصى، ومن بين الأسرى نذكر الأسير عبد الله غالب البرغوثي، صاحب أطول حكمٍ بالسجن، فمنذ سنة 2003 وهو يقبع في سجون الاحتلال اللعين.
وأما الصحفيون، والذين بمجرد نقلهم للمعاناة ومحاولة إيصال صوتهم، يتم اغتيالهم فورًا، كالصحفي: «أنس الشريف»، و«صالح الجعفراوي»، والكثير منهم.
ففي فلسطين تُقصف المستشفيات، وتُهدم المدارس، ويُحرق الصحفي، ويُقتل الطبيب، والمُسعف، والمريض.
الظلم ساد الأوطان، والظلام طغى على السكان، والصمت العربي يمزق الأوتاد.
فعلى متن أرض فلسطين نشهد أبشع الجرائم وأشدها فظاعة، فالحرب لم تعد تقتصر على الأسلحة، وإنما أضحى الجوع اليوم سلاحًا فتاكًا، وسياسةً ممنهجة بدقة من أجل القتل، وفرض الحصار، ودفع الفصائل إلى الاستسلام.”
أنهت سحاب كلماتها مع عرض خبر انفجارٍ في المدينة التي تقطن بها، فازدادت دقات قلبها سرعة، وصار صوت تنفسها ضعيفًا، فحتى بيتها قد هُدم بالكامل.
لم تعلم كيف خرجت، أو حتى كيف وصلت إلى المكان، ورأت جثة والدتها، ووالدها قد احترقت أطرافه، ولم يظهر من ملامحه إلا القليل، وأما أخوها الصغير فكان أشلاء.
بكت كما لم تبكِ من قبل، بكت فلسطين، والشهداء، والأسرى، والمدنيين، بكت أهلها والأصحاب، ثم قالت:
“نموت جميعًا لتحيا فلسطين.”
أمضت مراسم العزاء وحيدةً في بيت خالتها، وبعد مدة قررت الذهاب إلى المكتبة لاقتناء بعض الكتب.
كانت سحاب تتجول بين رفوف الكتب، وانتشلت بعضها، مثل كتاب أقلام البندقية، وفلسطين العاشقة والمعشوق، وكتاب مهندس على الطريق، وأكملت التجوال إلى أن جذبها عنوان رواية التوبازيوس.
فمدت يديها لأخذها، لتجد أنها قد وضعتها على يد شخصٍ ما، فرفعت نظرها لترى عيونًا حادةً رمادية تحدق بها.
سحاب: “عفوًا، أود أخذ هذا الكتاب.”
رعد: “يبدو أن ذوقنا متشابه يا آنسة، ولكن يبدو كذلك أن الكتاب من نصيبي؛ لأنني أمسكته أولًا.”
تركته سحاب دون أدنى كلمة منها، حملت كتبها وانطلقت نحو الشاطئ، حيث جلست وحيدة، والدموع تتسابق على خديها.
وما لم تعلمه أن رعد كان يراقبها، فقد لفت انتباهه جمالها العربي المبهر، تلك العيون النارية، والشعر الليلكي الطويل، واحمرار خديها.
اتجه نحوها، ومد الكتاب أمامها مبتسمًا:
“فشلت أمام نظرات عينيك، فأحضرت لك الكتاب.”
سحاب: “شكرًا، لقد كان العنوان جذابًا للغاية.”
رعد: “حسنًا، ربما نلتقي مجددًا في مكانٍ أفضل، وبزمان الحرية، حيث نصلي في الأقصى.”
وهكذا غادر رعد المكان وكأنه لم يأتِ، بينما ظلت سحاب تحدق بالكتاب للحظات، ثم فتحته، لينبعث منه ضوءٌ أخضر ساطع، ويحملها بين طياته.
فوجدت نفسها أمام ثلاثة أبواب؛ الأول كان عنوانه «لحن الموت»، والثاني «تهويدة البؤس»، وأما الثالث فكان عنوانه «الخلاص».
لم تفهم كيف وصلت إلى هذا المكان، ولا ما الغاية، وهل هي حقًا داخل الكتاب، ولكن قادها إحساسها إلى لحن الموت.
فكانت داخل سجنٍ كبير ومهترئ، والأصوات تزداد شيئًا فشيئًا:
“نريد الخلاص… نود لو نتحرر.”
الصغار يتوسلون قطعة حلوى، وصرخات الأمهات مكلومة، وكل باب كُتب عليه عنوان بلونٍ أحمر قانٍ.
السجن الأول كان بعنوان السودان، التي تصرخ وتتطالب بإنقاذ شعبها من الهلاك.
والسجن الثاني اليمن، التي تناجي وتناشد الخلاص.
والسجن الثالث بعنوان فلسطين، التي تتساءل عن يوم التحرير، يوم يعود الوطن حرًا أبيًا.
العديد من الأوطان تطلب الخلاص، ولكننا أمام صمتٍ وعجزٍ عربي، بل عالمي، رهيب.
أيادٍ كثيرة تمتد نحوها، وتصرخ بأنها تود الخروج، فالسواد قد طغى عليها.
وصوتٌ داخلها يهمس بأن تستمر.
ظلت تتقدم، والمكان ملطخ بالدماء، وكل شيءٍ مدمر، فالمكان معدوم الحياة، لتجد نفسها قد دخلت من باب تهويدة البؤس.
“البؤس هنا لصٌّ يسرق الفرح، البؤس هنا سوطٌ يجلدنا.
بوابة لا تجد فيها سوى الظلام والظلم، والجور والغدر، فالسعادة مبتورة، والكذب يرتدي ثوب الحقيقة مغترًا بنفسه.
هنا البؤس سكن القلوب، وانتحر الفرح من شرفة الخداع.
الأسود قتل كل ما هو أبيض، فغادرنا النور دون رجعة.”
وأما باب الخلاص، فظنت سحاب بدخوله أنها ستنجو، ولربما تستيقظ من حلمٍ مفزع، ولكنها استيقظت على وقع طلقةٍ أودت بروحها قتيلة، فهمست بصوتٍ ضعيف:
“قابلت العالم العربي ببسمة، فقابلني برصاص الخذلان.”
![]()
