...
IMG 20260630 WA0055

 

الكاتبة ناهد الزيدي

 

السلام عليك، يا من لا أعرفه يومًا، ولم أستطع أن أعرفه.

 

أما بعد؛

 

عندما صوَّبتُ عينيَّ نحو السماء، رأيتُ بريقًا مفاجئًا لم أعرف مصدره، لكنني استحسنتُ وجوده. ولبرهةٍ، افتتحتُ معه حديثًا طويلًا تمنيتُ ألَّا ينتهي.

 

أخذتُ أنفاسي بصعوبة، وكأنني مُقبلةٌ على شيءٍ يصعب قوله أو الإفصاح عنه.

 

فقلت:

 

«أنا لا أعرفك، ولم أقابلك من قبل، ولم أتعرّف عليك يومًا، ولكنك تبدو مألوفًا لي، وكأنك جئتَ من زمنٍ آخر، وأخذتني بيدك إلى هناك… أو كأنك زرتني في أحلامي، بين غمضة الجفن واليقظة.

 

ربما وصلتَ إلى سمائي صدفة، أو اختارك القدر لتكون هنا، حذوي. لذلك أتمنى، في هذه اللحظة، ألَّا تترك يدي، وأن تُصغي إليَّ باهتمام، دون أن تقاطعني.»

 

لمعَ لمعانًا باهرًا، فشعرتُ بأنه يسمعني، وكانت تلك إشارةً إلى إصغائه إليَّ.

 

ابتدأتُ كلامي بتنهيدةٍ كنتُ أحملها طويلًا في صدري، وكنتُ أبحث عن مكانٍ في سمائي لأفرغها من داخلي، لعلَّ النفس يعود إليَّ من جديد.

 

فامتلأت عيناي بالدموع، وأجهشتُ بالبكاء، وكأنني لم أبكِ قطُّ في حياتي. تمتمتُ بكلماتٍ أنا، عن نفسي، لم أفهمها بسبب بكائي ذاك.

 

وبعد ذلك، سكتُّ قليلًا، وابتسمتُ دون رغبةٍ مني، ثم بدأتُ أقصُّ أجزاء روايتي دون توقّف.

 

كان الجزء الأول من الرواية تحت عنوان:

 

«جنونٌ حلَّ بي دون سابق إنذار، وتركني هائمةً في الشوارع والطرقات. أبتسم للمارِّ، وللمتكلِّم، وللعابر، وأضحك وكأنني صبيّةٌ في الثالثة من عمرها.»

 

أما الجزء الثاني من الرواية، فكان تحت عنوان:

 

«السقوط في هاوية: “أنا بخير”، وانكسار الفؤاد، وتذوّق الخذلان في منتصف طريقٍ لم يكتمل.»

 

أما عن الجزء الثالث، فلا زلتُ لا أعرف عنوانه… لأنني بقيتُ في تلك الزاوية، وما زلتُ أبحث عن منفذٍ للخروج.

 

أنتظر المنقذ، وأنتظر أحد المارّة فوق الهاوية، لعلَّه يسمع صوتي الجريح، صوت قلبي الجريح الغارق في دمه.

 

سكتُّ، وطال سكوتي هذه المرة…

 

فسحبتُ يدي، وكانت الساعة تشير إلى منتصف الليل، وقلتُ له:

 

«ربما لن أجدك مرةً أخرى، وربما يستحيل أن نلتقي، وربما نلتقي يومًا، ونجدّد حديثنا… ربما ستحدث أمورٌ كثيرة.

 

لكنني أردتُك أن تعلم أن القلب لا تزال فيه نبضاتٌ قليلة، أكاد أفقدها.

 

وربما سأفقدها يومًا، وأُدفن مع الأموات، وينساني الجميع…

 

لذلك أريدك ألَّا تنساني، مهما كبرت بك الأوقات، وطالت بك الأزمان.

 

وإن نسيتني… فلا بأس.»

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *