...
IMG 20260805 WA0011

مقال صحفي من مجلة الرجوة المعتمد

مقال اليوم رقم 11

بقلم الصحفي عبد الرحمن شعبان سعد

 

 

في زمن أصبحت فيه العلاقات الإنسانية كثيرة العدد قليلة العمق أصبح من السهل أن تجد حولك عشرات الأشخاص لكن من الصعب أن تجد شخصا واحدا تستطيع أن تضع أمامه قلبك دون خوف وأن تتحدث معه دون أن تفكر كثيرا في كل كلمة تقولها

 

لقد تغيرت طريقة تعرف الناس على بعضهم البعض وأصبحت الصداقة في كثير من الأحيان تبدأ من خلف الشاشات وتنمو من خلال الرسائل والتعليقات والإعجابات وقد تجد شخصا يتحدث معك كل يوم لكنه لا يعرف شيئا حقيقيا عن حياتك بينما قد تجد صديقا آخر لا يتحدث معك كثيرا لكنه يعرف متى تكون حزينا ومتى تحتاج إلى كلمة طيبة ومتى تحتاج إلى شخص يقف بجانبك دون أن تطلب منه ذلك

 

المشكلة ليست في التكنولوجيا نفسها وإنما في الطريقة التي نستخدمها بها فقد جعلت وسائل التواصل الاجتماعي الوصول إلى الآخرين أسهل لكنها لم تجعل العلاقات بالضرورة أعمق بل ربما جعلت البعض يخلط بين كثرة المعارف ووجود الأصدقاء الحقيقيين

 

فليس كل من يضحك معك صديقا وليس كل من يشارك صورك يحبك وليس كل من يقول لك أنت أخي مستعدا للوقوف بجانبك عندما تحتاج إليه فالصداقة الحقيقية لا تظهر في أوقات الراحة فقط وإنما تظهر عندما تتغير الظروف ويختفي الكثير من الناس

 

الصديق الحقيقي هو الذي يعرف عيوبك ولا يستغلها ضدك وهو الذي ينصحك عندما تخطئ بدلا من أن يشجعك على الخطأ وهو الذي يفرح لنجاحك دون أن يشعر بالغيرة منك وهو الذي يحزن لحزنك دون أن يحول حزنك إلى فرصة ليستفيد منها

 

ولذلك فإن قيمة الصداقة لا تقاس بعدد السنوات فقط فقد تعرف شخصا منذ سنوات طويلة ثم تكتشف في موقف واحد أنه لم يكن يعرف معنى الصداقة بينما قد يظهر في حياتك شخص جديد خلال فترة قصيرة ويثبت لك بأفعاله أنه أكثر صدقا من أشخاص عرفتهم لسنوات

 

كما أن الصداقة تحتاج إلى رعاية مثلها مثل أي علاقة أخرى فلا يمكن أن تطلب من صديق أن يبقى إلى جانبك وأنت لا تسأل عنه ولا تعرف شيئا عن حياته ولا تتذكره إلا عندما تحتاج إلى مساعدة

 

العلاقات القوية تحتاج إلى اهتمام متبادل وإلى صدق وإلى احترام وإلى قدرة على المسامحة ولكنها تحتاج أيضا إلى حدود واضحة لأن الصداقة لا تعني أن تسمح للآخرين بإيذائك أو استغلالك

 

ومن المؤسف أن بعض الناس يكتشفون قيمة أصدقائهم بعد أن يخسروهم فقد يكون الإنسان مشغولا دائما بعمله وحياته ثم يكتشف بعد سنوات أن الأيام مرت وأنه فقد أشخاصا كانوا يستحقون منه وقتا واهتماما أكبر

 

إن الصداقة الحقيقية واحدة من أجمل النعم التي يمكن أن يحصل عليها الإنسان ولذلك يجب ألا نبحث فقط عن الأشخاص الذين يجعلوننا نضحك بل علينا أن نبحث عن الأشخاص الذين يجعلوننا أفضل

 

الحلول العملية والإيجابية

 

أولا اختر أصدقاءك على أساس الأخلاق وليس على أساس المصلحة

 

اسأل نفسك هل هذا الشخص يحترمني عندما لا يحتاج مني شيئا وهل يحافظ على أسراري وهل يفرح لنجاحي وهل ينصحني عندما أخطئ فإذا كانت الإجابة نعم فهذه علامات على صداقة تستحق الحفاظ عليها

 

ثانيا كن أنت الصديق الذي تتمنى أن تجده

 

لا تنتظر من الآخرين الوفاء وأنت لا تفي ولا تنتظر الاهتمام وأنت لا تهتم فالعلاقات الناجحة تبدأ دائما من الداخل

 

ثالثا لا تختبر صديقك في كل موقف

 

ليس معنى أن صديقك لم يرد عليك مرة أو انشغل عنك يوما أنه لم يعد يحبك فالناس لديهم ظروفهم ومشكلاتهم ولذلك لا تجعل كل موقف صغير سببا في إنهاء علاقة كبيرة

 

رابعا تحدث عندما تشعر بالضيق

 

إذا شعرت أن صديقك أخطأ في حقك فلا تجمع المشكلات في داخلك حتى تنفجر تحدث معه بهدوء واشرح له ما شعرت به فقد يكون لم يقصد إيذاءك من الأساس

 

خامسا احفظ أسرار أصدقائك

 

من أكبر علامات الخيانة أن تحول أسرار من وثق بك إلى أحاديث تتناقلها بين الناس فالصديق الحقيقي يحفظ ما يسمعه كما يحفظ أسراره الخاصة

 

سادسا لا تجعل الصداقة سببا في ضياع مبادئك

 

الصديق الذي يدفعك إلى الخطأ أو يحرضك على إيذاء الآخرين أو يبعدك عن دينك وأخلاقك ليس صديقا صالحا مهما كانت قوة العلاقة بينكما

 

أمثلة من الواقع

 

شاب تعرض لأزمة مالية فاختفى كثير من الأشخاص الذين كانوا يحيطون به في أوقات الرخاء لكنه وجد صديقا واحدا بقي إلى جانبه وساعده بما يستطيع ولم يذكره يوما بما فعله هذا هو الصديق الذي تكشفه الشدة

 

وفي المقابل كان هناك شخص يحيط نفسه بعشرات المعارف وكان دائما يدفع الحسابات ويقدم الهدايا وعندما تغيرت ظروفه اكتشف أن معظم من حوله لم يكونوا أصدقاء له بل كانوا أصدقاء لما يقدمه لهم

 

وفي موقف آخر أخطأ أحد الأصدقاء في حق صديقه فبدلا من أن ينشر ما حدث بين الناس جلس معه وتحدث إليه بهدوء وانتهى الخلاف لأن الصداقة الحقيقية لا تبحث عن فضح الأخطاء وإنما تبحث عن إصلاحها

 

كما نجد أحيانا صديقا يلاحظ أن صديقه يسير في طريق خاطئ فيختار أن ينصحه رغم أن النصيحة قد تغضبه مؤقتا لكنه يفضل أن يخسر رضاه للحظة على أن يراه يخسر نفسه وهذا هو الفرق بين الصديق الحقيقي ومن يريد فقط أن يبقى مقبولا

 

هذه الأمثلة تؤكد أن الصداقة لا تقاس بالكلام وإنما بالمواقف وأن الزمن لا يكشف حقيقة الأشخاص بقدر ما تكشفها الظروف

 

الرؤية الإسلامية

 

اهتم الإسلام بعلاقة الإنسان بأخيه ودعا إلى المحبة والأخوة والتعاون على الخير

 

قال الله تعالى

 

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾

 

سورة الحجرات الآية 10

 

وقال سبحانه

 

﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾

 

سورة المائدة الآية 2

 

وتوضح هذه الآيات أن العلاقة بين الناس يجب أن تقوم على الخير والإصلاح والتعاون وأن الصديق الصالح هو من يعين صديقه على البر والتقوى وليس من يدفعه إلى الخطأ والشر

 

من الأحاديث النبوية الصحيحة

 

قال رسول الله ﷺ

 

المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل

 

رواه أبو داود والترمذي وحسنه أهل العلم

 

وقال ﷺ

 

مثل الجليس الصالح والسوء كحامل المسك ونافخ الكير فحامل المسك إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه وإما أن تجد منه ريحا طيبة ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد منه ريحا خبيثة

 

متفق عليه

 

وتوضح هذه الأحاديث أن الإنسان يتأثر بمن يصاحبهم وأن اختيار الأصدقاء ليس أمرا بسيطا بل له تأثير كبير في أخلاق الإنسان وسلوكه وحياته

 

الرؤية المسيحية

 

يدعو الكتاب المقدس إلى المحبة والإخلاص في العلاقات الإنسانية وإلى الوقوف بجانب الآخرين في أوقات الشدة

 

جاء في سفر الأمثال

 

الصديق يحب في كل وقت أما الأخ فللشدة يولد

 

أمثال الإصحاح السابع عشر العدد السابع عشر

 

وجاء أيضا

 

المسامح في الخطإ يطلب المحبة

 

أمثال الإصحاح السابع عشر العدد التاسع

 

من تعاليم السيد المسيح والرسل

 

قال السيد المسيح

 

هذه هي وصيتي أن تحبوا بعضكم بعضا كما أحببتكم

 

يوحنا الإصحاح الخامس عشر العدد الثاني عشر

 

وقال أيضا

 

ليس لأحد حب أعظم من هذا أن يضع أحد نفسه لأجل أحبائه

 

يوحنا الإصحاح الخامس عشر العدد الثالث عشر

 

وتؤكد هذه التعاليم أن المحبة الحقيقية لا تقوم على المصلحة وإنما على العطاء والإخلاص والتضحية والوقوف بجانب من نحب

 

خاتمة

 

قد تتغير الحياة وقد تتغير الظروف وقد تتغير الأماكن التي نعيش فيها وقد يمر علينا أشخاص كثيرون لكن الصديق الحقيقي يظل له مكان مختلف في القلب لأنه لم يكن موجودا فقط في أيام الضحك وإنما كان موجودا أيضا في أيام الألم

 

فإذا كان في حياتك صديق صادق فاحفظه ولا تنتظر أن تخسره حتى تعرف قيمته واسأل عنه قبل أن يسأل عنك وسانده قبل أن يطلب منك المساعدة وكن بجانبه في وقت حاجته كما كان بجانبك في وقت حاجتك

 

فالصداقة الحقيقية ليست أن تجد شخصا يمشي معك في الطريق فقط بل أن تجد شخصا إذا تعثرت أمسك بيدك وإذا أخطأت نصحك وإذا نجحت فرح لك وإذا ضاقت بك الحياة ذكرك بأنك لست وحدك

 

وفي زمن كثرت فيه العلاقات وتراجعت فيه الثقة تظل الصداقة الصادقة واحدة من أجمل الأشياء التي يمكن أن يمنحها إنسان لإنسان

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *