مقال صحفي من مجلة الرجوة المعتمد
مقال اليوم رقم 11
بقلم الصحفي عبد الرحمن شعبان سعد
في زمن أصبحت فيه العلاقات الإنسانية كثيرة العدد قليلة العمق أصبح من السهل أن تجد حولك عشرات الأشخاص لكن من الصعب أن تجد شخصا واحدا تستطيع أن تضع أمامه قلبك دون خوف وأن تتحدث معه دون أن تفكر كثيرا في كل كلمة تقولها
لقد تغيرت طريقة تعرف الناس على بعضهم البعض وأصبحت الصداقة في كثير من الأحيان تبدأ من خلف الشاشات وتنمو من خلال الرسائل والتعليقات والإعجابات وقد تجد شخصا يتحدث معك كل يوم لكنه لا يعرف شيئا حقيقيا عن حياتك بينما قد تجد صديقا آخر لا يتحدث معك كثيرا لكنه يعرف متى تكون حزينا ومتى تحتاج إلى كلمة طيبة ومتى تحتاج إلى شخص يقف بجانبك دون أن تطلب منه ذلك
المشكلة ليست في التكنولوجيا نفسها وإنما في الطريقة التي نستخدمها بها فقد جعلت وسائل التواصل الاجتماعي الوصول إلى الآخرين أسهل لكنها لم تجعل العلاقات بالضرورة أعمق بل ربما جعلت البعض يخلط بين كثرة المعارف ووجود الأصدقاء الحقيقيين
فليس كل من يضحك معك صديقا وليس كل من يشارك صورك يحبك وليس كل من يقول لك أنت أخي مستعدا للوقوف بجانبك عندما تحتاج إليه فالصداقة الحقيقية لا تظهر في أوقات الراحة فقط وإنما تظهر عندما تتغير الظروف ويختفي الكثير من الناس
الصديق الحقيقي هو الذي يعرف عيوبك ولا يستغلها ضدك وهو الذي ينصحك عندما تخطئ بدلا من أن يشجعك على الخطأ وهو الذي يفرح لنجاحك دون أن يشعر بالغيرة منك وهو الذي يحزن لحزنك دون أن يحول حزنك إلى فرصة ليستفيد منها
ولذلك فإن قيمة الصداقة لا تقاس بعدد السنوات فقط فقد تعرف شخصا منذ سنوات طويلة ثم تكتشف في موقف واحد أنه لم يكن يعرف معنى الصداقة بينما قد يظهر في حياتك شخص جديد خلال فترة قصيرة ويثبت لك بأفعاله أنه أكثر صدقا من أشخاص عرفتهم لسنوات
كما أن الصداقة تحتاج إلى رعاية مثلها مثل أي علاقة أخرى فلا يمكن أن تطلب من صديق أن يبقى إلى جانبك وأنت لا تسأل عنه ولا تعرف شيئا عن حياته ولا تتذكره إلا عندما تحتاج إلى مساعدة
العلاقات القوية تحتاج إلى اهتمام متبادل وإلى صدق وإلى احترام وإلى قدرة على المسامحة ولكنها تحتاج أيضا إلى حدود واضحة لأن الصداقة لا تعني أن تسمح للآخرين بإيذائك أو استغلالك
ومن المؤسف أن بعض الناس يكتشفون قيمة أصدقائهم بعد أن يخسروهم فقد يكون الإنسان مشغولا دائما بعمله وحياته ثم يكتشف بعد سنوات أن الأيام مرت وأنه فقد أشخاصا كانوا يستحقون منه وقتا واهتماما أكبر
إن الصداقة الحقيقية واحدة من أجمل النعم التي يمكن أن يحصل عليها الإنسان ولذلك يجب ألا نبحث فقط عن الأشخاص الذين يجعلوننا نضحك بل علينا أن نبحث عن الأشخاص الذين يجعلوننا أفضل
الحلول العملية والإيجابية
أولا اختر أصدقاءك على أساس الأخلاق وليس على أساس المصلحة
اسأل نفسك هل هذا الشخص يحترمني عندما لا يحتاج مني شيئا وهل يحافظ على أسراري وهل يفرح لنجاحي وهل ينصحني عندما أخطئ فإذا كانت الإجابة نعم فهذه علامات على صداقة تستحق الحفاظ عليها
ثانيا كن أنت الصديق الذي تتمنى أن تجده
لا تنتظر من الآخرين الوفاء وأنت لا تفي ولا تنتظر الاهتمام وأنت لا تهتم فالعلاقات الناجحة تبدأ دائما من الداخل
ثالثا لا تختبر صديقك في كل موقف
ليس معنى أن صديقك لم يرد عليك مرة أو انشغل عنك يوما أنه لم يعد يحبك فالناس لديهم ظروفهم ومشكلاتهم ولذلك لا تجعل كل موقف صغير سببا في إنهاء علاقة كبيرة
رابعا تحدث عندما تشعر بالضيق
إذا شعرت أن صديقك أخطأ في حقك فلا تجمع المشكلات في داخلك حتى تنفجر تحدث معه بهدوء واشرح له ما شعرت به فقد يكون لم يقصد إيذاءك من الأساس
خامسا احفظ أسرار أصدقائك
من أكبر علامات الخيانة أن تحول أسرار من وثق بك إلى أحاديث تتناقلها بين الناس فالصديق الحقيقي يحفظ ما يسمعه كما يحفظ أسراره الخاصة
سادسا لا تجعل الصداقة سببا في ضياع مبادئك
الصديق الذي يدفعك إلى الخطأ أو يحرضك على إيذاء الآخرين أو يبعدك عن دينك وأخلاقك ليس صديقا صالحا مهما كانت قوة العلاقة بينكما
أمثلة من الواقع
شاب تعرض لأزمة مالية فاختفى كثير من الأشخاص الذين كانوا يحيطون به في أوقات الرخاء لكنه وجد صديقا واحدا بقي إلى جانبه وساعده بما يستطيع ولم يذكره يوما بما فعله هذا هو الصديق الذي تكشفه الشدة
وفي المقابل كان هناك شخص يحيط نفسه بعشرات المعارف وكان دائما يدفع الحسابات ويقدم الهدايا وعندما تغيرت ظروفه اكتشف أن معظم من حوله لم يكونوا أصدقاء له بل كانوا أصدقاء لما يقدمه لهم
وفي موقف آخر أخطأ أحد الأصدقاء في حق صديقه فبدلا من أن ينشر ما حدث بين الناس جلس معه وتحدث إليه بهدوء وانتهى الخلاف لأن الصداقة الحقيقية لا تبحث عن فضح الأخطاء وإنما تبحث عن إصلاحها
كما نجد أحيانا صديقا يلاحظ أن صديقه يسير في طريق خاطئ فيختار أن ينصحه رغم أن النصيحة قد تغضبه مؤقتا لكنه يفضل أن يخسر رضاه للحظة على أن يراه يخسر نفسه وهذا هو الفرق بين الصديق الحقيقي ومن يريد فقط أن يبقى مقبولا
هذه الأمثلة تؤكد أن الصداقة لا تقاس بالكلام وإنما بالمواقف وأن الزمن لا يكشف حقيقة الأشخاص بقدر ما تكشفها الظروف
الرؤية الإسلامية
اهتم الإسلام بعلاقة الإنسان بأخيه ودعا إلى المحبة والأخوة والتعاون على الخير
قال الله تعالى
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾
سورة الحجرات الآية 10
وقال سبحانه
﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾
سورة المائدة الآية 2
وتوضح هذه الآيات أن العلاقة بين الناس يجب أن تقوم على الخير والإصلاح والتعاون وأن الصديق الصالح هو من يعين صديقه على البر والتقوى وليس من يدفعه إلى الخطأ والشر
من الأحاديث النبوية الصحيحة
قال رسول الله ﷺ
المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل
رواه أبو داود والترمذي وحسنه أهل العلم
وقال ﷺ
مثل الجليس الصالح والسوء كحامل المسك ونافخ الكير فحامل المسك إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه وإما أن تجد منه ريحا طيبة ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد منه ريحا خبيثة
متفق عليه
وتوضح هذه الأحاديث أن الإنسان يتأثر بمن يصاحبهم وأن اختيار الأصدقاء ليس أمرا بسيطا بل له تأثير كبير في أخلاق الإنسان وسلوكه وحياته
الرؤية المسيحية
يدعو الكتاب المقدس إلى المحبة والإخلاص في العلاقات الإنسانية وإلى الوقوف بجانب الآخرين في أوقات الشدة
جاء في سفر الأمثال
الصديق يحب في كل وقت أما الأخ فللشدة يولد
أمثال الإصحاح السابع عشر العدد السابع عشر
وجاء أيضا
المسامح في الخطإ يطلب المحبة
أمثال الإصحاح السابع عشر العدد التاسع
من تعاليم السيد المسيح والرسل
قال السيد المسيح
هذه هي وصيتي أن تحبوا بعضكم بعضا كما أحببتكم
يوحنا الإصحاح الخامس عشر العدد الثاني عشر
وقال أيضا
ليس لأحد حب أعظم من هذا أن يضع أحد نفسه لأجل أحبائه
يوحنا الإصحاح الخامس عشر العدد الثالث عشر
وتؤكد هذه التعاليم أن المحبة الحقيقية لا تقوم على المصلحة وإنما على العطاء والإخلاص والتضحية والوقوف بجانب من نحب
خاتمة
قد تتغير الحياة وقد تتغير الظروف وقد تتغير الأماكن التي نعيش فيها وقد يمر علينا أشخاص كثيرون لكن الصديق الحقيقي يظل له مكان مختلف في القلب لأنه لم يكن موجودا فقط في أيام الضحك وإنما كان موجودا أيضا في أيام الألم
فإذا كان في حياتك صديق صادق فاحفظه ولا تنتظر أن تخسره حتى تعرف قيمته واسأل عنه قبل أن يسأل عنك وسانده قبل أن يطلب منك المساعدة وكن بجانبه في وقت حاجته كما كان بجانبك في وقت حاجتك
فالصداقة الحقيقية ليست أن تجد شخصا يمشي معك في الطريق فقط بل أن تجد شخصا إذا تعثرت أمسك بيدك وإذا أخطأت نصحك وإذا نجحت فرح لك وإذا ضاقت بك الحياة ذكرك بأنك لست وحدك
وفي زمن كثرت فيه العلاقات وتراجعت فيه الثقة تظل الصداقة الصادقة واحدة من أجمل الأشياء التي يمكن أن يمنحها إنسان لإنسان
![]()
