ﺟﺎﺭ ﺍﻟﺘﺤﻤﻴﻞ ...
IMG 20260813 WA0020

 

 

الكاتبة: عاليا عجيزة

 

في ليلة شتوية شديدة البرودة، كانت الحافلة الأخيرة تخترق شوارع العاصمة المهجورة، تحث الخطى تحت رقاقات الثلج المتساقطة بهدوء. جلس «سامي»، الشاب المصور الذي يبحث دومًا عن اللقطة المفقودة لإنقاذ مسيرته المهنية، بجوار النافذة المحببة لديه. كان يتأمل الأضواء المنسكبة من المتاجر المغلقة، متسائلًا إن كان قرار خروجه في هذه الليلة المتجمدة صائبًا.

 

فجأة، لمح من بعيد التوهج الذهبي الساطع الذي يزين الساحة الكبرى أمام دار الأوبرا القديمة. أرجاء المكان كانت تضيء كأنها احتفال ملكي، لكن شيئًا ما جذب انتباهه وجعله يضغط على زر التوقف سريعًا؛ كانت هناك فتاة ترتدي فستانًا طويلًا كلاسيكيًا، تسير بمفردها نحو البوابة الضوئية العملاقة.

 

نزل سامي من الحافلة بخطوات متسارعة، محتضنًا كاميرته تحت معطفه خوفًا من الثلج. كان يرغب في التحدث إليها ومعرفة سبب وجودها في هذا المكان في مثل هذه الساعة المتقدمة من الليل.

 

عندما اقترب من القوس المضيء، سمع صوت موسيقى كلاسيكية دقيقة تنبعث من لا مكان، وكأن الجدران والأضواء تعزف ألحانًا ملائكية خافتة. توقفت الفتاة عند مدخل القوس الذهبي، والتفتت قليلًا ببطء، كأنها تشعر بوجوده.

 

قال سامي بصوت مرتجف من شدة البرد والدهشة:

 

— «عذرًا يا سيدتي… أعتذر عن الإزعاج، لكن ليس من المعتاد رؤية أحد برداء كلاسيكي كامل في هذه الساحة بعد منتصف الليل».

 

ابتسمت الفتاة ابتسامة هادئة، والتفتت نحوه بالكامل، وهي ترفع طرف فستانها الطويل قليلًا لتبتعد عن الثلج المتجمع على الأرض الرخامية. وقالت بصوت ناعم ينساب كالموسيقى:

 

— «البعض ينظر إلى الساعة ليعرف الوقت، والبعض الآخر ينتظر منتصف الليل لكي يبدأ وقته الحقيقي. أنا لا أنتمي لنهار هذه المدينة، بل للياليها المضيئة».

 

اقترب سامي خطوة إضافية، وهو يستعد لالتقاط صورة، وتساءل بفضول:

 

— «هل تنتمين لفرقة الأوبرا؟ هل يعزفون بالداخل في هذا الوقت؟»

 

هزت رأسها بنفي خفيف، وأجابت:

 

— «الأوبرا مغلقة منذ سنين طويلة يا سامي، لكن الأرواح التي عاشت هنا لم تغادر أبدًا. الليلة هي ذكرى العرض الأول لقصة «أميرة الثلج»، وفي هذه الليلة فقط، تُفتح الأبواب لمن يحمل في قلبه قدرًا كافيًا من الشغف ليرى».

 

اتسعت عينا سامي من الاستغراب، كيف عرفت اسمه دون أن ينطق به:

 

— «كيف تعرفين اسمي؟ ومن تكونين أنتِ؟»

 

أشارت الفتاة بيدها نحو البناء العتيق القابع خلف الأقواس المضيئة، وقالت:

 

— «أنا «ألينا»… كنت العازفة الرئيسية على الفيولين في أوركسترا عام 1920. وفي الليلة التي سبقت عرضي الأخير، اختفيت في ظروف غامضة، وظل حلمي برقصة واحدة أخيرة تحت ثلج هذه الساحة معلقًا بين العقود».

 

ظن سامي للوهلة الأولى أنها مزحة من إحدى الممثلات، لكن غياب أنفاسها الدافئة في الهواء البارد وسكون المكان جعل الشك يتسلل إلى قلبه. أخرج كاميرته وقال بخطوات حذرة:

 

— «إذا كانت هذه رقصتك الأخيرة، فهل تسمحين لي بتوثيق هذه اللحظة؟»

 

أومأت ألينا برأسها موافقة، ثم استدارت ببطء ونظرت نحو مبنى الأوبرا، ورشقت بخطوات موزونة وكأنها ترقص على أنغام غير مسموعة إلا لها. ارتفعت رقاقات الثلج حولها كأنها تتراقص مع ذيل فستانها المنساب، وازدادت الأضواء سطوعًا ودفئًا في تلك اللحظة الفاصلة.

 

رفع سامي كاميرته، ونظر من خلال العدسة، وضبط البؤرة بدقة، ثم ضغط على زر التقاط الصورة. انبعث وميض الفلاش مشرقًا ليختلط مع ضوء القوس الذهبي.

 

في تلك اللحظة بالضبط، اختفت النغمات الخافية، وعاد الصمت ليخيم على الساحة بأكملها. انخفضت الأضواء الساطعة إلى مستواها الطبيعي الهادئ، وهبّت نفحة هواء باردة محمّلة بندف الثلج.

 

نظر سامي حوله بدوران سريع، لكن ألينا لم تكن هناك. كانت الساحة فارغة تمامًا، ولم تكن هناك أي آثار لأقدام على الثلج الثقيل باستثناء خطاه هو.

 

نظر بذهول إلى شاشة كاميرته الرقمية؛ كانت الصورة قد التُقطت بالفعل. ظهرت فيها البوابة المضيئة في أبهى صورها، وفستان ألينا الممتد على الأرض، ومبنى الأوبرا الشامخ في الخلفية، بينما بدا وجهها متطلعًا بنبل نحو الأفق.

 

ابتسم سامي وهو يحضن كاميرته بقوة، مدركًا أنه لم يحصل على مجرد صورة ممتازة لإنقاذ مسيرته، بل أصبح حارسًا لسر قديم أُعيد بعثه تحت رقاقات الثلج الضاحكة. مشى بخطوات واثقة يعود أدراجه نحو الشارع الرئيسي، وهو يعلم أن ليلة منتصف الليل في العاصمة لن تكون مجرد وقت عابر بالنسبة له بعد الآن.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *