الكاتبة: عاليا عجيزة
توقفت ضربات مطر الليل المتساقط على أسقف القصر العتيق بمجرد أن وطئت قدم «إدوارد» العتبة الرخامية الثقيلة. كان يحمل في يده الفانوس النحاسي، وفي جيبه الآخر رسالة صفراء مجهولة المصدر، تلقتها جمعية التاريخ الأثري التي يعمل بها قبل أيام معدودة. كانت الرسالة تحمل توقيعًا واحدًا أثار رعب وقلق كل من اطلع عليه: «اللورد فيكتور – 12 أغسطس 1926».
لم يكن هناك أي منطق في أن يرسل رجلٌ اختفى في ظروف غامضة منذ مائة عام خطاباتٍ إلى الحاضر، لكن التفاصيل الدقيقة الواردة في المخطوطة عن القصر المنسي القابع في أطراف الغابة، وعن «قاعة الزمان القرمزية»، دفعت إدوارد للقدوم بمفرده دون إبلاغ السلطات أو زملائه.
دفع إدوارد الباب الخشبي الضخم بذراعيه، لينسل شعاع نوره الضئيل إلى داخل الصالة الرئيسية. خطا خطوات متأنية نحو القاعة الداخلية التي أشار إليها الخطاب. عندما أزاح الستائر المخملية الثقيلة، وجد نفسه يقف في قلب القاعة التي لم تلمسها يد بشر منذ عقود. جلس إدوارد على أحد الكراسي الفاخرة المكسوة بالفرو الأحمر، وأخرج دفتر المذكرات الخاص باللورد فيكتور، والذي عثر عليه في مكتبة القصر عند المدخل.
بدأ يقرأ الأسطر الأخيرة التي كُتبت بخط يد مرتجف قبل اختفاء اللورد ليلة رأس السنة قبل قرن كامل:
«لم تكن تجربتي مجرد خطأ كيميائي، بل كانت ميثاقًا أُبرم مع الزمن نفسه. عندما تكتمل الساعة الثانية عشرة في الليلة الختامية من القرن، تتفتح النوافذ القرمزية لتعيد ما انكسر في الماضي. إذا كان هناك من يقرأ هذه الكلمات في القادم من الأيام، فاعلم أن الشموع لا تحترق هنا لإضاءة الظلمة، بل لتغذية الشعلة التي تحتفظ بالبوابة مفتوحة حتى تعود أختي مارغريت».
رفع إدوارد رأسه ونظر إلى الساعة الجدارية الشامخة في صدر القاعة. كانت عقاربها تشير إلى الحادية عشرة وخمس وخمسين دقيقة. شعر ببرودة مفاجئة تسري في جسده رغم دفء الموقد المشتعل تحت الساعة. أخرج من جيبه علبة كبريت وأشعل الشموع المتراصفة على الرخام الداكن، تنفيذًا للتعليمات المدونة في المذكرات، متسائلًا إن كان ما يفعله جنونًا أم حقيقة.
مع كل دقة من دقات عقرب الثواني، كانت الأصوات في القاعة تزداد حدة ووضوحًا. لم تكن مجرد دقات ميكانيكية دائرية، بل كان صدى أشبه بنبضات قلب حي ينبض تحت البلاط الرخامي الأسود. تجمعت الدماء في عروق إدوارد، وتسمر في مكانه، غير قادر على تحريك قدميه.
وعندما التقى العقربان عند الرقم اثني عشر، انبعث توهج أحمر ساطع من خلال النوافذ الزجاجية الملونة. أصبحت الظلال ترقص على الجدران، وتداخلت روائح الورد المجفف مع عبق البخور المتصاعد من الموقد. وفجأة، توقفت حركة عقارب الساعة تمامًا عن الدوران، وعمّ السكون.
في تلك اللحظة الفاصلة، شاهد إدوارد طيفًا بشريًا يتشكل ببطء وسط الضوء الأحمر أمام الموقد. كان رجلًا يرتدي زيًا أرستقراطيًا قديمًا، وبيده زهرة حمراء نضرة. التفت الطيف ونظر مباشرة نحو إدوارد، وكانت عيناه تحملان نفس الشجن المكتوب في الصفحات القديمة.
قال الطيف بصوت خافت يتردد بين أركان القاعة:
— «لقد أتممت الحلقة يا بني… مائة عام من الانتظار في هذا البرزخ لم تذهب سدى».
رد إدوارد بصوت متلعثم من شدة الذهول:
— «من أنت؟ هل أنت اللورد فيكتور؟ وكيف تتحدث إليّ بعد كل هذه السنين؟»
ابتسم الطيف ابتسامة حزينة وأجاب:
— «الزمن ليس خيطًا مستقيمًا كما تعتقدون، بل هو دائرة مغلقة. كنت بحاجة إلى شخص من المستقبل يعيد إشعال الشموع في الوقت المحدود لفك اللعنة التي حبستني هنا عندما حاولت تغيير القدر. الآن، أستطيع الرحيل بسلام».
قبل أن يتمكن إدوارد من طرح سؤال آخر، تحرك عقرب الثواني بضربة قوية مدوية أحدثت صدى كالهزيم في أرجاء القصر. وفي لمح البصر، اختفى الطيف تمامًا، وانطفأت الشموع دفعة واحدة، وعاد الضوء الخافت العادي ليغمر المكان.
جلس إدوارد محاولًا التقاط أنفاسه المتسارعة، ونظر إلى الساعة التي عادت للعمل بدقات منتظمة وطبيعية. نظر حوله، فرأى زهرة حمراء واحدة حقيقية ملقاة على درجات السلم الرخامي حيث كان يقف الطيف.
أدرك إدوارد حينها أنه لم يكتشف مجرد قصر مهجور، بل كان شاهدًا على نهاية أسطورة حب وزمن امتدت عبر قرن كامل. حمل الزهرة وأغلق دفتر المذكرات، ثم ارتقى الدرج متسحبًا ببطء نحو الباب الخارجي، وهو يعلم أن أسرار هذه القاعة ستظل حبيسة صدره إلى الأبد.
![]()
