الكاتبة آلاء عادل
عشتُ طويلًا وأنا أدفن أمنياتي واحدةً تلو الأخرى، لا لأنني لم أكن أريدها، بل لأنني تعلّمتُ أن بعض الطرق لا تشبه ما تمنيناه، وأن بعض الأحلام، مهما اجتهدنا من أجلها، قد لا تصل إلينا بالطريقة التي تخيلناها.
وبعد خيبات الطريق، أدركتُ أن الحياة ليست دائمًا معادلة عادلة؛ فليس كل من اجتهد يصل، وليس كل من سعى يبلغ ما أراد… أحيانًا تتدخل أشياء لا نملك لها تفسيرًا، وتُغلق أبوابًا ظننا أننا قضينا أعمارنا نبحث عن مفاتيحها.
وكأن الحياة، في بعض الأحيان، ليست لعبة سعي فقط، بل هي أيضًا توقيت، ونصيب، وأقدار لا نملك تغييرها.
ومع ذلك، يبقى في القلب يقين لا أستطيع التخلي عنه:
﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾
لذلك نسعى، حتى حين يخوننا الأمل، ونحاول، حتى حين تبدو المحاولة بلا جدوى، ونمضي قدمًا حتى لو لم نعرف إلى أين يقودنا الطريق.
ولعل أجمل ما في السعي أنه لا يَعِدنا دائمًا بالوصول، لكنه يمنحنا شيئًا آخر لا يقل أهمية؛ يمنحنا القدرة على أن نقول يومًا: لقد فعلتُ ما استطعت، ولم أدّخر جهدًا، ولم أترك حلمي دون محاولة.
وربما لا يكون ما سعينا إليه هو ما كُتب لنا، وربما تكون الخيبة التي أبكتنا يومًا هي نفسها التي ستقودنا إلى شيء أجمل؛ شيء لم نكن نعرف أننا نحتاج إليه، ولم نكن لنعثر عليه لو سارت الأمور كما تمنينا.
وقد نظن أحيانًا أن تأخر الأمنيات يعني أنها لن تأتي، فنبدأ في دفنها داخلنا، ونقنع أنفسنا بأن علينا أن نتوقف عن الانتظار.
لكن الحقيقة أن بعض الأشياء لا تتأخر عبثًا، وبعض الأبواب لا تُفتح إلا عندما نكون مستعدين لعبورها، وبعض الأمنيات تحتاج إلى وقت أطول حتى تأتي في الصورة التي تليق بها.
لذلك، لا أريد أن أتعامل مع خيباتي وكأنها نهايات، بل أريد أن أراها دروسًا في طريق لم أفهمه كاملًا بعد.
سأظل أسعى، وسأترك للقدر مساحته، وسأؤمن أن ما كُتب لي سيصل إليّ في وقته، حتى وإن طال الطريق.
لن أعد نفسي بأن كل ما أريده سيحدث، فالحياة لا تمنحنا دائمًا ما نريد، لكنها تمنحنا دائمًا فرصة لأن نبدأ من جديد.
وسأظل أترك في قلبي نافذة صغيرة للأمل، مهما اشتدت الرياح، ومهما طال الانتظار.
فربما يأتي يوم أنظر فيه إلى كل ما مضى، وأدرك أنني كنت أبكي على بابٍ أُغلق، بينما كان الله يهيئ لي بابًا آخر لم أكن أراه.
ولهذا سأواصل السعي، وسأحاول مرة أخرى، وسأحلم دون أن أُعلّق حياتي على حلم واحد.
ثم أقول لنفسي كلما شعرت أن الأمل يبتعد:
ربما اليوم يأتي.
ربما يأتي اليوم الذي تُفتح فيه الأبواب التي طال انتظارها، وربما تصل الأمنية التي ظننا أنها ضاعت، وربما نفهم أخيرًا لماذا تأخر كل شيء.
فما دام في العمر بقية، فهناك دائمًا متسع لبداية جديدة.
وما دمنا نسعى، فلا بأس أن نمنح الحياة فرصة أخرى، وأن نترك للأمل مكانًا بيننا وبين اليأس، وأن نقول بثقة وهدوء:
سنسعى، وسنرضى بما كُتب لنا، ولكننا لن نتوقف عن الأمل… فربما اليوم تأتي.
![]()
