...
IMG 20260829 WA0015

بقلم الصحفي / عبده احمد 

 

في زحمة الاجتماعات المتلاحقة، ورسائل البريد الإلكتروني التي لا تتوقف حتى بعد منتصف الليل، وشعور دائم بأن “المزيد” مطلوب دومًا، بات مصطلح “البيرن آوت” (Burnout) أو “الاحتراق الوظيفي” أحد أكثر التعبيرات تداولًا في أدبيات العمل الحديثة. لم يعد الأمر مجرد تعب عابر يُعالَج بإجازة نهاية أسبوع، بل تحوّل إلى ظاهرة ثقافية متجذرة في طريقة تنظيم العمل نفسها، تطال ملايين الموظفين حول العالم، من موظفي المكاتب إلى العاملين عن بُعد، ومن الشركات الناشئة الصغيرة إلى عمالقة التكنولوجيا.

ما الذي يجعل البيرن آوت “ثقافة” لا مجرد حالة فردية؟

تعريف الاحتراق الوظيفي طبيًا يشير إلى حالة من الإرهاق الجسدي والنفسي الناتج عن ضغط عمل مستمر ومزمن دون تعافٍ كافٍ. لكن ما يميز العقد الأخير هو أن هذه الحالة لم تعد استثناءً يصيب أفرادًا يعملون بإفراط، بل أصبحت جزءًا من منظومة قيم تمجّد الانشغال الدائم. عبارات مثل “النوم للضعفاء” أو “لا تتوقف حتى تصل” لم تعد مجرد شعارات تحفيزية عابرة على وسائل التواصل الاجتماعي، بل تحوّلت إلى معايير ضمنية يُقاس بها التزام الموظف وجديته.

هذه الثقافة لا تُفرض دائمًا بشكل مباشر من الإدارة، بل تتسلل عبر سلوكيات غير معلنة: الموظف الذي يرد على الرسائل في العطلات يُنظر إليه كأكثر التزامًا، وذلك الذي يغادر المكتب في الموعد المحدد قد يُصنَّف ضمنيًا كأقل حماسًا لعمله، حتى لو كان أداؤه ممتازًا.

أسباب متشابكة: من العمل عن بُعد إلى اقتصاد عدم الاستقرار

ثمة عوامل متعددة تفاقم هذه الظاهرة في السنوات الأخيرة:

تلاشي الحدود بين العمل والحياة الشخصية: مع انتشار العمل عن بُعد والعمل الهجين بعد جائحة كورونا، فقد كثيرون الخط الفاصل الذي كان يفصل سابقًا بين “وقت المكتب” و”وقت المنزل”. الهاتف المحمول الذي يحمل تطبيقات العمل نفسه يحمل أيضًا رسائل العائلة، ما يجعل الانفصال الذهني عن العمل أصعب من أي وقت مضى.

ثقافة “الهَسِل” (Hustle Culture): الترويج المستمر لفكرة أن النجاح يتطلب تضحية كاملة بالوقت والراحة، وأن كل ساعة إضافية من العمل هي استثمار في المستقبل، دفع كثيرين إلى تبنّي إيقاع عمل غير مستدام، ظنًا منهم أنه الطريق الوحيد للتقدّم.

عدم الاستقرار الاقتصادي: في ظل موجات تسريح متكررة في قطاعات عديدة، يشعر كثير من الموظفين بأن عليهم إثبات “عدم قابليتهم للاستغناء عنهم” من خلال العمل لساعات أطول وتحمّل أعباء أكثر، حتى لو كان ذلك على حساب صحتهم.

الإفراط في الاتصال الرقمي: كثرة الاجتماعات الافتراضية، وتدفق الإشعارات، وتوقع الرد الفوري على الرسائل، كلها عوامل تُبقي الدماغ في حالة تأهب مستمرة، وتحرم الموظف من فترات الراحة الذهنية الضرورية لاستعادة التركيز.

الأعراض لا تقتصر على التعب

الاحتراق الوظيفي لا يظهر فقط في صورة إرهاق جسدي، بل يتجلى في مجموعة من الأعراض المتداخلة: فقدان الحماس تجاه مهام كانت تُثير الشغف سابقًا، شعور متزايد بالسخرية أو اللامبالاة تجاه العمل والزملاء، صعوبة في التركيز واتخاذ القرارات، وانخفاض ملحوظ في الإنتاجية رغم بذل مجهود أكبر. وقد يمتد الأثر إلى الصحة الجسدية، مثل اضطرابات النوم، والصداع المتكرر، وضعف المناعة.

والمفارقة أن كثيرًا من الموظفين لا يدركون أنهم يمرّون بهذه الحالة إلا بعد أن تتفاقم، لأن الثقافة السائدة تدفعهم إلى “الاستمرار” و”عدم الشكوى”، باعتبار ذلك علامة قوة لا ضعف.

هل بدأت الشركات تستيقظ؟

في المقابل، بدأت بعض المؤسسات حول العالم في إعادة النظر في نماذج العمل التقليدية، عبر تجارب مثل تقليص أسبوع العمل إلى أربعة أيام، أو فرض سياسات صارمة تمنع التواصل خارج ساعات العمل الرسمية، أو تخصيص أيام صحة نفسية إضافية إلى جانب الإجازات المرضية التقليدية. كما أطلقت بعض الشركات برامج دعم نفسي داخلية، ودرّبت المديرين على رصد علامات الاحتراق الوظيفي لدى فرقهم قبل تفاقمها.

لكن هذه المبادرات، رغم أهميتها، تظل غير كافية إذا لم تصاحبها إعادة نظر جذرية في ثقافة المؤسسة نفسها. فكثير من برامج “العافية” (Wellness) التي تطلقها الشركات تُعامَل كحلول تجميلية سطحية، تقدّم جلسات يوغا أو تأمل دون معالجة السبب الجذري: أعباء عمل غير واقعية، وتوقعات مبالغ فيها، ونقص في الموارد البشرية.

نحو ثقافة عمل أكثر توازنًا

يرى مختصون في الصحة النفسية المؤسسية أن معالجة ظاهرة الاحتراق الوظيفي تتطلب تدخلًا على مستويين متزامنين: الفردي والمؤسسي. فعلى المستوى الفردي، يُنصح بوضع حدود واضحة بين العمل والحياة الشخصية، وتعلّم رفض المهام الزائدة عند الحاجة، والانتباه المبكر لعلامات الإرهاق بدل تجاهلها. أما على المستوى المؤسسي، فالمطلوب هو مراجعة أعباء العمل الفعلية، وتوفير مرونة حقيقية في ساعات العمل، وتغيير ثقافة “المكافأة على الانشغال” إلى ثقافة تقيّم الجودة والنتائج بدل عدد الساعات المُنفَقة.

في نهاية المطاف، يبقى السؤال الأهم: هل نحن أمام مشكلة أفراد لا يُحسنون إدارة وقتهم، أم أمام منظومة عمل بأكملها تحتاج إلى إعادة تعريف مفهوم “الإنتاجية” و”النجاح”؟ الإجابة، على الأرجح، تكمن في الخيار الثاني. فما لم تتغيّر القيم التي تحكم بيئات العمل الحديثة، سيظل البيرن آوت ظاهرة متكررة، تتبدل وجوهها من جيل إلى آخر دون أن تختفي جذورها.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *